الفترات الفاصلة اللّامتناهية

ترجمة هنا لبنان 28 نيسان, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتب Charles Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:

تُعدّ دبلوماسية الحلول المؤقتة سمةً دائمة لما يُسمّى بالدبلوماسية الإيرانية، إذا ما سُلِّم أصلًا بمنح إيران صفة الدولة. ففي حين يستند النظام إلى ديستوبيا إسلاموية ترفض في جوهرها فكرة الدولة الترابية ذاتها، وما يرتبط بها من ولايات السيادة، فإنه لا يتورّع عن توظيف هذه المفاهيم حين تخدم مصالحه الظرفية.

أما الوجه الآخر، فيتمثّل في السياسة التقديرية التي يجيزها لنفسه لتبرير تدخلية أيديولوجية تقوم على المثال الناظم للأمّة الإسلامية بصيغتها الشيعية، والمرتبط ارتباطًا وثيقًا بالسياسة الإمبراطورية للنظام الإيراني.

وتُوظَّف هذه السجلات المتحوّلة ذات الطابع الكاليدوسكوبي لخدمة سياسة انقلابية مُنظَّرة تحت مسمّى “المنصّات العملياتية المتكاملة” . ويُضاف إلى ذلك نموذج آخر أُدرج مؤخرًا في منظومة النظام، يتمثّل في تركيب نظام عولمة بديل، صيغ بالتوازي مع “اليوتوبيات المنزوعة السلاح” (Utopia desarmada) في أميركا اللاتينية، ومع صيغ أخرى من نظام مُشفَّر ذي نزعة شيوعية، ينتسب إليه تبعًا للظروف.

وانطلاقًا من هذه البنية المعقّدة، ينبغي مقاربة هذا النظام الإسلاموي الشمولي ذي الطموحات الإمبراطورية.

لقد استمرّ الصدام مع هذا النظام طوال العقود الماضية ولم ينقطع يومًا، سواء في صورته المباشرة أو غير المباشرة. إنّ الطابع الصراعي لهذا النظام متأصّل في تكوينه، أيديولوجيًا واستراتيجيًا، ومن العبث مقاربته خارج إطار النزاع الذي يحدّده. وكل محاولة تحليلية لفصل ذلك تقع في مغالطة استدلالية.

أما الدينامية الحربية التي أطلقها منذ 7 أكتوبر 2024، فهي تختزل مسار هذا النظام برمّته، وتعيدنا إلى حقيقة أولى: استحالة اعتماد النماذج التقليدية للدبلوماسية بين الدول وأساليبها الإجرائية في التعامل معه.

إنّ المراوغة التي تميّز هذه الدبلوماسية ليست عرضية، بل هي جزء من ترسانة عمل يلجأ إليها لتفادي السياسات التي يعدّها مهدِّدة لبقائه. كما أنّ الاحتكام إلى القانون الدولي وآليات التحكيم الدبلوماسي يدخل ضمن المناورات التي يوظّفها لاحتواء الضغوط الظرفية.

وقد شكّل الردّ الإسرائيلي في 7 أكتوبر 2023 بداية دورة جديدة، لم يعد فيها الأمر يتعلق بالبحث عن تسويات مؤقتة مع النظام الإيراني، بل بإعادة تشكيل الإطار الاستراتيجي الذي مكّن هذا النظام من فرض نفسه كوسيط لا غنى عنه على المستويين الإقليمي والدولي. إن أي مقاربة دبلوماسية تتجاهل هذا التحوّل في النموذج تُخاطر بتفويت الرهانات الحقيقية لهذه الدينامية الحربية وتداعياتها الجيوسياسية.

ومن غير الممكن تحقيق استقرار في الشرقين الأدنى والأوسط مع نظام يستمدّ استمراريته من سياسات زعزعة الاستقرار الملازمة لرؤيته السياسية-الاستراتيجية، ولأبعاده اللاهوتية والخلاصية المزدوجة. كما أن النهج الدبلوماسي التبادلي الذي اعتمده الرئيس ترامب يصطدم بحدود تفرضها طبيعة هذا النظام، وهي حدود يصعب تجاوزها.

إن تدمير المنصّات العملياتية للنظام يُعدّ خطوة أساسية في التفكيك التدريجي له، وأي مقاربة أخرى لا تعدو أن تكون أوهامًا بصرية. وينبغي أن تُستكمل هذه الدينامية إذا أُريد لمسار تهدئة في هذه المنطقة التي تتحرك في فراغ ثقيل وغياب للمرجعيات المعيارية والنظامية.

إن أي وهم بالسلام مع النظام الإيراني يمكن أن ينقلب في أي لحظة إلى كابوس، كما تُظهره التطورات الأخيرة للحرب الجارية. وتفسّر الهستيريا الأمنية للنظام الانفجار العشوائي للهجمات الصاروخية التي امتدت على كامل الشرق الأوسط، من دول الخليج إلى محيط البحر المتوسط.

إن محاولة إحياء الأذرع الاستراتيجية التي دمّرها الإسرائيليون تكشف حجم الشعور البنيوي بانعدام الأمن الذي يطبع هذا النظام. فما جدوى التفاوض حول أمن طرق الملاحة الدولية مع نظام يتعامل بشكل انتقائي وتقديري مع القانون الدولي والمجتمع الدولي؟

وعلى أي حال، فإنّ كل التزام يُبرم يبقى خاضعًا لإعادة نظر وإلغاء أحادي الجانب. فلماذا إعادة فتح ملف تخصيب اليورانيوم، في حين تُدار أنظمة التفتيش التابعة للوكالة الذرية وفقًا للظروف، وتُرافقها سياسات تخريب متعددة الاتجاهات تُهدد السلم الإقليمي والدولي؟

وبالمثل، ما جدوى التفاوض حول ضبط الأسلحة الصاروخية، طالما أنّ الخلفية الأيديولوجية للإمبريالية الإسلامية تُستخدم كمرجعية في المفاوضات الجارية؟

وتتوج هذه الملفات بسياسة الرعب التي ينتهجها نظام سمح لنفسه بقتل 80 ألف مواطن في أقل من أسبوع دون أي حرج، وبمشاركة من المجتمع الدولي. إنّ حجج الواقعية السياسية القائمة على منطق الحذر السياسي تنهار، لأنّ وهم السعي التفاوضي إلى السلام لا هدف نهائياً له سوى بقاء النظام، والحفاظ على وضعه الاستثنائي، وتكييف العلاقات الدولية وفق مصالحه المتحوّلة.

إنّ استدعاء القانون الدولي من قبل الصين وروسيا، واليسار “الووك” ومختلف النزعات السلموية المشبوهة، يتم انطلاقًا من حالة إنكار، هي إنكار نظام الرعب الذي يحكم إيران، والذي ترمز إليه بشكل صارخ مشانق الإعدام التي تملأ المشهد الحضري.

إن هزيمة هذا النظام مسألة قصيرة الأمد، ينبغي الاستعداد لها في أعقاب الفشل المتوقع للمفاوضات. ومن غير المقبول الرضوخ للشروط التي يفرضها نظام لا يهدف إلا إلى البقاء، على حساب السلام وإعادة الاعتبار لسيادة القانون، باعتبارهما ركيزتين لأي سياسة تطبيع حقيقية في منطقة تتقاذفها تطرفات إسلامية قاتلة.

إن هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) تُشكّل مرجعًا ونموذجًا يُحتذى به في إطار دبلوماسية إنهاء النزاعات. غير أن هذا المسار لا يملك أي فرصة في غياب ميزان قوى جديد يتيح تحقيقه.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us