عندما ينخر الذّكاء الاصطناعيّ الديمقراطيّة!

ترجمة هنا لبنان 30 نيسان, 2026

كتبت Bélinda Ibrahim لـ”Ici Beyrouth”:

خوارزميّات تفصل، وتوجّه، وتقرّر. ومع ترسّخ الذّكاء الاصطناعيّ في حياتنا، تتغيّر طريقة حكمنا الجماعيّ، غالبًا من دون أن ندرك ذلك تمامًا أو نعيَ تبعاته السياسيّة على المدى البعيد.

غالبًا ما تُطرَح مسألة الذّكاء الاصطناعيّ من زاوية الأداء. السّرعة، والدقّة، والقدرة على المعالجة: يوحي كل ذلك بتقدّم واضح. مع ذلك، يدعو مسار آخر أكثر خفاءً إلى الانتباه. فمع تولّي هذه الأنظمة قرارات كانت يومًا بشريّة، يتبدّل جوهر علاقتنا الخاصّة بالحكم.

لا يظهر هذا التطوّر كقطيعة جليّة، بل يتجسّد في الممارسات اليوميّة. ففي الشّركات والإدارات، تقوم أنظمة مؤتمتة بفرز الملفّات، وترتيب الأولويّات، واقتراح الخيارات. ويبدو تدخّلها طبيعيًّا، وشبه عاديٍّ. ويبقى الإنسان حاضرًا، لكنّ دوره يتغيّر: يُصادق أكثر ممّا يحسم.

يبدّل هذا التنحّي طبيعة القرار. فحيث كان لا بدّ من التّفسير، والتّبرير، وتحمّل مسؤوليّة الاختيار، تفرض إجابة نفسها اليوم في سلطة الحسابات. ليست مفروضة ، ولكنّها تستقرّ كدليل. أمّا الإطار الّذي تُتّخذ فيه القرارات، فيغدو أقلّ وضوحًا.

تظهر الآثار بوضوح حين تمسّ هذه الأدوات مجالاتٍ حسّاسةً. فقد شكّلت الحملات السياسيّة أولى الأمثلة، كما حدث في بريكست، أو الانتخابات الأميركيّة عام 2016، حين استهدفت خوارزميّات ناخبين بمضامين مُصمَّمة لإثارة ردود فعل فوريّة. لم يكن الهدف الإقناع فحسب، بل أيضًا تشتيت الانتباه، وجعل التّمييز بين المعلومة والمصطنع أكثر صعوبة.

وفي سياقات أخرى، استُخدمت أنظمة مؤتمتة لتقييم ملفّات، واستباق سلوكيّات، وتوجيه قرارات إداريّة. لم يختفِ التّحكيم، لكنّه انتقل إلى عمليّة يصعب النّفاذ إليها، وغالبًا ما تبقى غير مفهومة لدى مَن تطالهم نتائجها.

ما يتلاشى تدريجيًّا هو لحظة النّقاش. فالقرار يبقى قائمًا، لكنّه لم يعد يُشكّل بالضّرورة موضوع نقاش، أو اعتراض، أو تبرير. والحياة الديمقراطيّة لا تقوم على النّتائج التي تحدثها فحسب، بل على كيفيّة صياغة تلك النّتائج.

فضاء في طور إعادة التّشكيل

ما وراء هذه الحالات، تترسّخ ظاهرة أكثر انتشارًا. ويمرّ جزء متزايد من الوصول إلى المعلومات عبر أنظمة مؤتمتة. محرّكات بحث، وشبكات تواصل، ومساعدات حواريّة: هي الّتي تنظّم المحتويات، وتحدّد مدى ظهورها، وتؤثّر في تداولها.

لا تكتفي هذه الأدوات بالنّقل، بل تُعيد الهيكلة. وشيئًا فشيئًا، توجّه طريقة تناول الموضوعات، والمفردات الّتي تُطرح بها المشكلات، والإجابات التي تُعتبر مقبولة.

ليس الأمر رقابة مباشرة، بل آلية أكثر خفاء. وتصبح بعض أنماط التّفكير أكثر حضورًا، وأسهل استدعاءً، بينما تتوارى أخرى. وما لا يعود متداولًا، تصبح صياغته أصعب، وكذلك الدّفاع عنه.

يمتدّ هذا التحوّل ليطال ما تعتزّ به المجتمعات. فالكفاءة تفرض نفسها معيارًا مركزيًّا. وتغدو السّرعة أكثر أهميّة من النّقاش، وتسبق التنبّؤات التّفسير. ولا تُقرّر هذه الانعطافات جماعيًّا، بل تترسّخ عبر الاستخدام، مدفوعةً بأدواتٍ صُمّمت لتحقيق أقصى درجات التّبسيط.

تلعب المنصّات الكبرى هنا دورًا بُنيويًّا. فهي تحدّد ما يظهر، وما يختفي، وما يجذب الانتباه، وهكذا، تُعيد رسم الفضاء العام. ولا تقتصر على عكس التّفضيلات، بل تشارك في صياغتها.

وفي الوقت عينه، يتبدّل التّعامل مع الانتباه. فالتعرّض المستمرّ لتدفّق المعلومات يُجزّئ الزّمن المتاح للتّفكير. ويصبح التّراجع أصعب، وتعلو ردود الفعل الفوريّة على التّحليل.

في هذا السّياق، لا تشكّل أتمتة القرارات ظاهرةً معزولةً، بل تندرج ضمن تحوّل أوسع في علاقتنا بالحكم، حيث يعزّز أحدهما الآخر.

ليس المقصود رفض هذه التقنيّات، فالجدوى منها حقيقيّة. غير أنّ القرارات ليست كلّها متساوية. فبعضها ينطوي على تحكيم يتجاوز مجرّد التّبسيط، ويفترض مواجهة وجهات نظر، وفتح نقاش، وتحمّل مسؤوليّة.

يصبح الحفاظ على هذه المساحات مسألةً جوهريّةً. ليس من باب المبدأ فحسب، بل لأنّها شرط لإمكان قيام حياة ديمقراطيّة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us