هل تؤدّي المفاوضات إلى نهاية الحروب؟!

ترجمة هنا لبنان 1 حزيران, 2026

كتب Charles Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:

يتساءل المرء، وبحقّ، عن جدوى المفاوضات الجارية ومآلها المحتمل، إن كان ثمّة مآل لها أصلًا. وتبقى الإجابة مُعقّدة في الاتجاهَيْن: إمّا العودة إلى الحرب أو التوصّل إلى اتفاق سلام، مهما كانت طبيعته. نحن أمام حالةٍ من التذبذب المفتوح، حيث يصعب تبيّن الانتقال من مسارٍ إلى آخر، أو رسم حدود واضحة بينهما. بعبارة أخرى، ما الكلفة الّتي سيتحمّلها الأطراف الأساسيّون في كلّ من السيناريوهَيْن؟ وهل نحن فعلًا أمام مأزق مزدوج يُغلق أفق التقدّم، لا في مسار استمرار الحرب ولا في مسار التوصّل إلى تسوية؟ وما الّذي يمنع استئناف الأعمال العدائية، وما المقصود فعلًا باتفاق سلام؟ ليست الإجابة عن هذه الأسئلة بالبساطة الّتي تبدو عليها، خصوصًا في ظلّ ضبابية المشهد، وصعوبة تثبيت خطوط فاصلة في سياقٍ يتّسم بالسيولة وتداخل المسارات.

في المقابل، لم تعد جداول الأولويّات لدى الشريكَيْن الأميركيّ والإسرائيليّ تتطابق بشكل منهجيّ، ولا يمكن استبعاد احتمال تباين المسارات بينهما. مع ذلك، يبقى هناك حدّ فاصل يتمثّل إمّا في علاقة تكامل شبه عضوية أو في قطيعة تامة. نحن لسنا أمام سيناريوهات حادّة تسمح بقرارات انفصال نهائيّ، أو بإعادة تموضع جذريّ من طرف واحد. ومن أجل مقاربة هذه الإشكاليّة، قد يكون من المُفيد، على المستوى التحليليّ، تقييم حصيلة الحروب الجارية واستشراف فرضيّات ما بعد الحرب كما يتصوّرها الفاعلون على جانبَيْ الصراع.

ومن المهم الإشارة إلى أنّ الرهانات، بالنّسبة إلى المحور الأميركيّ – الإسرائيليّ، تتراوح ما بين هزيمة النظام الإسلاميّ في إيران وبين خيار الاحتواء الهادف إلى كبح ديناميّة النفوذ الإيرانيّ الإقليميّ. كما تُراهن هذه المقاربة على احتمال تحوّل تدريجيّ غير مباشر، قد يؤدّي إلى إنهاء هذه الديناميّة، أو في الحدّ الأقصى، إلى تغيير نظام بصورة مباشرة ومقصودة. في المقابل، يتمثّل هدف إيران الأساسيّ في ضمان بقاء النظام، وإعادة ترميم أدوات سياسة توسّعية ذات طابع إمبراطوريّ، ترفض أي مراجعة للسرديّة الثوريّة القائمة.

من الضروريّ قبل الإجابة عن هذه الأسئلة إجراء جردٍ للوضع في نهايةٍ افتراضية للحرب. تبدو الحصيلة متباينةً وذات ملامح متحرّكة، طالما أنّ الحرب مستمرة، ويبدو أنّها ستدوم.

يُشكّل تعطّل سياسة التخريب الإيرانيّة حقيقةً قائمةً، ومتعدّدة الأبعاد. فإلى جانب تدمير المنصّات العملياتيّة داخل إيران وخارجها، وتفكيك السرديّة المؤسّسة، وتعطّل التحالفات المضادّة الّتي أُبرمت مع المحور النيواستبداديّ ومنظومة الدول المارقة، يجد النظام الإيرانيّ نفسه أمام حالةٍ من الإنتروبيا البُنيوية لنظامٍ فقد جانبًا واسعًا من مصداقيّته. وهو ما يُفاقم أزمة الشرعيّة أيضًا، ويُعمّق تداعيات الانهيار الاجتماعيّ والاقتصاديّ، ويزيد من مخاطر الانزلاق نحو حربٍ مفتوحةٍ بلا أفق زمنيّ واضح.

ولا يمكن الحديث عن نهاية حرب على أساس تسويات جيوستراتيجية أو أمنية، من شأنها إعادة إطلاق الديناميّة الإمبراطورية لنظامٍ إيرانيٍّ بطابع حربيّ وانتقاميّ. فالحلف الأميركيّ – الإسرائيليّ، على الرغم ممّا يحتويه من تباينات متزايدة في الأولويات لدى طرفَيْه، لا يمكنه القبول بسيطرة إيران على مضيق هرمز، ولا بالتراجع عن مبدأ حوْكمة دولية منسجمة مع قواعد القانون الدوليّ للبحار. كما لا مجال للعودة إلى الوضع القائم السابق عبر رفع العقوبات الاقتصادية، أو إعادة توزيع عائدات النفط. كذلك، ليست إعادة إعمار إيران ما بعد الحرب بما يخدم النظام الإسلاميّ المسؤول عن هذا التحوّل الجيوستراتيجيّ وتداعياته العميقة، خيارًا مطروحًا.

أمّا مسألة عسكرة الصراعات، بمكوّناتها الصّاروخية والنووية والبيولوجية، فلا يمكن تجاوزها أو تأجيلها إلى أفقٍ غير مُحدّدٍ؛ إذ يُعتبر إرجاؤها إلى أجل غير معلوم مقاربة هروب لا تتّسم بأي جدّية استراتيجية. وفي المُحصّلة، يبقى النظام الإيرانيّ في صلب تهديدات حقيقية تمسّ الاستقرار الإقليميّ والدوليّ.

تُستحضر هذه الاعتبارات كلّها ضمن إطارٍ تحليليٍّ شاملٍ، يقوم على فرضية أزمة شرعية لنظامٍ سياسيّ ترتبط استمراريته بديناميّات صراعٍ عنيفٍ، وبممارسات قسرية واسعة النطاق، وسياسات تعتمد على الترويع العشوائيّ. ووفق هذا التصوّر، يتمثّل هدف السلطة المركزيّ في ضمان بقائها بأي ثمن.

في المقابل، وخلافًا للتقديرات الّتي ترى في صمود النظام ضمانةً لاستمراريته، تكشف المُعاينة الموضوعية عن مسار تآكل، وتدهور تدريجيّ، تغذّيه ديناميّات داخلية يولّدها النظام بحد ذاته.

وليس التشدّد الدبلوماسيّ سوى انعكاس للمحرّمات الإيديولوجية، وتشابك المصالح الّتي تؤلّف أوليغارشية مافيوية هجينة تستمدّ مشروعيّتها من الشموليّة الشيعيّة. وقد ضمن النظام بقاءه من خلال انتهاج سياسة الأرض المحروقة، واعتماده على قدرته الدائمة على إعادة تشكيل نفسه وفق مقتضيات الصراع. ولا يلوح في الأفق أي مخرج من هذا الوضع أو خاتمة له، ما لم تؤدِّ هزيمة حاسمة إلى إنهاء البنية الصراعيّة القائمة، بما تحمله من مرتكزات جيوستراتيجية وجيوسياسية وإيديولوجية. وينبغي، في الواقع، طيّ صفحة حقبة بشكل جذريّ.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us