ما نعرفه عن الدعم الروسيّ لإيران

كتب Mario Chartouni لـ”Ici Beyrouth”:
منذ بدء التصعيد المرتبط بعملية الغضب الملحميّ “Epic Fury”، برزت تقارير غربية وإعلامية تتحدّث عن احتمال تعزيز التعاون العسكريّ بين روسيا وإيران. غير أنّ الصورة العامة تبقى غير مكتملة، مع تمييز واضح بين ما هو مُثبت وما هو تقديريّ.
شحنات مؤكدة قبل الصراع
تعود جذور التحويلات العسكرية بين روسيا وإيران إلى ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتيّ. فمنذ عام 1991، حافظ البلدان على علاقة تبادلية غير متكافئة، تطوّرت تدريجيًّا من تعاون محدود إلى شراكة استراتيجية أوسع، خصوصًا منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، وفق “المعهد الفرنسيّ للعلاقات الدولية”.
وخلال تسعينيّات القرن الماضي، حلّت موسكو محل فرنسا وألمانيا بوصفها الشريك الرئيسي لبرنامج إيران النوويّ المدنيّ.
وفي عام 2006، سلّمت روسيا 29 نظام دفاع جويّ متحرّك من طراز “TOR-M1” إلى إيران مقابل نحو مليار دولار. واستمرّ هذا المسار في السنوات اللاحقة، إذ تسلّمت طهران عام 2023 أولى طائرات التدريب من طراز “Yak-130”. كما أفاد “مركز كارنيغي” بأنّ طائرة شحن من طراز “Antonov An-124” نفذت أربع رحلات على الأقل في عام 2025 بين إيركوتسك، حيث يُصنّع هذا الطراز، وطهران.
وفي كانون الثاني، أظهرت مقاطع مصوّرة، بحسب المصدر عينه، وجود ما لا يقلّ عن ست مروحيات هجومية من طراز “Mi-28” داخل إيران، مع تدريب طيارين إيرانيين عليها فوق العاصمة طهران. وتكتسب هذه الخطوة أهميةً خاصّةً لأنّ هذا الطراز يُستخدم فعليًّا من قبل الجيش الروسيّ في أوكرانيا، ما يمنح نقله إلى إيران دلالةً سياسيةً وعسكريةً بارزة.
كما كشفت صور متداولة على وسائل التواصل الاجتماعيّ عن شحنات إضافية لم يُعلن عنها رسميًّا. وتشير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD)، في شهادةٍ أمام الكونغرس بتاريخ الحادي والعشرين من نيسان، إضافةً إلى مركز كارنيغي، إلى ظهور بنادق قنص روسية من طراز “Orsis T-5000M” خلال تدريبات للحرس الثوريّ الإيرانيّ، من دون إعلان أي عقود رسمية.
وفي السياق عينه، ظهرت مركبات مدرعة من طراز “Spartak” في إيران منذ أواخر عام 2024. ووفق تقارير كارنيغي، جرى تسليم “عشرات” الوحدات، واستُخدم بعضها خلال عمليات قمع احتجاجات كانون الثاني. ويُشير ذلك إلى قدرة موسكو وطهران على إبقاء جزء مهم من تعاونهما العسكريّ خارج دائرة الإعلان والرقابة العلنية.
الاستخبارات: السلاح الأكثر حسمًا في مسار الصراع
إلى جانب نقل المعدات العسكرية، يبرز ملف الاستخبارات بوصفه العامل الأكثر تأثيرًا في مجريات الصراع. فقد أكد الجنرال دان كاين، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، أنّ روسيا زوّدت إيران ببيانات أقمار صناعية استُخدمت في استهداف قوات أميركية في المنطقة. كما أفادت مصادر أوكرانية بأنّ أقمارًا صناعيةً روسيةً التقطت صورًا لمواقع حسّاسة، من بينها دييغو غارسيا، وقاعدة إنغرليك التابعة للناتو، وقاعدة العديد في قطر، وهي مواقع تعرّض بعضها لاحقًا لهجمات إيرانية.
وفي السياق عينه، نقلت مجلة “Stern” الألمانية أنّ جهاز الاستخبارات الخارجية الروسيّ أعدّ قائمةً بمنشآت إيرانية كانت خاضعة لمراقبة الأقمار الصناعية الأميركية، وسلّمها إلى طهران، ما أتاح لها، وفق التقرير، إمكان إخلاء بعض المواقع الحسّاسة قبل الضربات. كما نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مسؤولين أميركيين أنّ هذا الدعم الروسيّ في عمليات الاستهداف قد يكون “أحد الأسباب التي أدّت إلى إصابة أو مقتل جنود أميركيين في الشرق الأوسط”.
تحسينات تكنولوجية بأثر ملموس
ساهمت موسكو أيضًا في تطوير طائرات “شاهد” المُسيّرة، التي كانت إيران قد زوّدتها بها منذ عام 2022. وصرّحت في نيسان الممثلة العليا للاتحاد الأوروبيّ للشؤون الخارجية كايا كالاس بأنّ “الطائرات المُسيّرة الإيرانية المستخدمة ضدّ شركائنا في الخليج تتضمّن على الأرجح تحسينات تكنولوجية روسية”.
ويأتي الدليل الأوضح على هذه التطويرات من قبرص، حيث كشف تحليل حطام طائرة مُسيّرة من طراز شاهد، أُطلقت من الأراضي اللبنانية باتجاه قاعدة جوية بريطانية، عن وجود نظام ملاحة روسيّ من نوع “Kometa-B”، صُمّم لمقاومة التشويش الإلكترونيّ، وفق صحيفة “The Times”.
على المستوى التعاقديّ، عرضت مؤسّسة الدفاع عن الديمقراطيات (FDD) أمام الكونغرس الأميركيّ في الحادي والعشرين من نيسان اتفاقًا يقضي بتزويد إيران بـ500 صاروخ محمول على الكتف من طراز “Verba 9K333″، بقيمة تقديرية تبلغ 589 مليون دولار، مع جدول تسليم يمتد ما بين 2027 و2029. كما أُشير إلى عقد منفصل يشمل 48 مقاتلة من طراز “Su-35″، يُفترض تسليمها ما بين 2026 و2028، من دون أي تأكيد على بدء عمليات التسليم حتى الآن.
ما نجهله
تظلّ مساحات الغموض واسعة. فبين كانون الأول 2025 وشباط 2026، هبط ما لا يقل عن عشر طائرات نقل عسكرية روسية في إيران، بينها ست في شباط وحده، من دون التحقّق من حمولتها. كما ذكرت مجلة “The Economist” في السابع من أيار وجود وثيقة تابعة للاستخبارات العسكرية الروسية تقترح تزويد إيران بـ5000 طائرة مُسيّرة تعمل بالألياف الضوئية ومُحصّنة ضدّ التشويش، غير أنّ المجلة أوضحت عدم وجود ما يُثبت تسليم الوثيقة أو تنفيذ أي عملية نقل.
وتشير مجمل المعطيات المتاحة إلى أنّ الدعم العسكريّ الروسيّ لإيران أصبح حقيقيًّا ومتعدّد الأبعاد ومتزايد التعقيد، لكنّّه لا يزال محاطًا بدرجة كبيرة من الغموض المقصود. وما يمكن رصده حتى الآن ليس سوى الحد الأدنى من هذا التعاون وليس سقفه الفعليّ.
مواضيع ذات صلة :
بالصّور: “لبنان أولاً” على طريق المطار بدل “شكراً إيران”! | التصعيد يتجدّد بين واشنطن وطهران… ضربات متبادلة وتهديدات مفتوحة! | نتنياهو: الاتفاق الإطاري مع لبنان ضربة كبيرة لإيران |




