إزاء طهران، هل يكرّس استنفاد سياسة الانتظار والترقّب قطيعةً في المقاربة السائدة؟

كتب Ali A. Hamadé لـ”Ici Beyrouth”:
منذ أكثر من شهرين، تبدو المواجهة بين واشنطن وطهران وكأنها أسيرة دينامية تتسم بقدر لافت من التكرار. فالسيناريوهات تتعاقب من دون أن تحمل اختلافًا جوهريًّا: فمن جهة، تواصل الجمهورية الإسلامية انتهاج سياسة المماطلة التي أتقنتها على نحو منهجي عبر العقود، محوّلةً الزمن إلى أداة تفاوض قائمة بذاتها؛ ومن جهة أخرى، يبدو الرئيس ترامب، حتى الآن، ميّالًا إلى تبنّي مقاربة قائمة على الانتظار والترقّب، تتأرجح بين الانفتاح الدبلوماسي، وإظهار الحزم من دون أن يُترجم ذلك دائمًا إلى خطوات ملموسة، والتلويح المستمر بإمكان عودة المواجهة المباشرة. ويطرح هذا الزمن المعلّق اليوم تساؤلات متزايدة حول مدى استدامة نموذج تبدو عوائده السياسية والجيوستراتيجية وكأنها بلغت نقطة التشبّع.
ومنذ إعلان ترامب وقف إطلاق النار في السابع من نيسان الماضي، يتحرك المسار الدبلوماسي ضمن مفارقة استراتيجية واضحة. فبينما جرى تقديم إعادة فتح مضيق هرمز بوصفها شرطًا لا غنى عنه لضمان استمرارية الهدنة، تبقى هذه الأخيرة قائمة حتى اليوم على الرغم من بقاء المضيق مغلقًا إلى حدّ كبير. وبذلك، يبدو أن الاتفاق يستند أقل إلى استيفاء شروطه المسبقة، وأكثر إلى توازن هشّ تغذّيه القناعة المتبادلة بالكلفة الباهظة التي ستترتب على استئناف الأعمال العدائية.
وتستحضر هذه المعادلة أفكار توماس شيلينغ (Thomas C. Schelling)، الذي رأى أن التفاوض لا يقتصر على تبادل التنازلات، بل يشكّل، قبل كل شيء، عملية إقناع تستند إلى مصداقية الإكراه. فالقوة لا تكمن بالضرورة في استخدامها الفعلي، بل في ترسيخ القناعة بإمكان اللجوء إليها في أي لحظة. ومن خلال الإبقاء على قدر دائم من الغموض بشأن نواياه، يبدو أن ترامب يسعى تحديدًا إلى الحفاظ على هذا التوتر النفسي. فالنظام الإيراني يدرك أنه، على الرغم من امتداد المسار الدبلوماسي، وعلى الرغم مما يبدو من ميل الرئيس الأميركي إلى الانتظار والترقّب، لا يمكن استبعاد فرضية الانتقال المفاجئ إلى مواجهة مباشرة بصورة كاملة، لا سيما في ضوء الطابع غير المتوقع الذي يميّز ساكن البيت الأبيض، واحتفاظه في الوقت عينه بالأدوات السياسية والمالية الداخلية التي تتيح له العودة إلى خيار الحرب. وفي هذه المنطقة الرمادية، حيث تستمدّ التهديدات قيمتها من احتمال تحققها أكثر مما تستمدها من تنفيذها الفعلي، يتحدد اليوم جانب كبير من ميزان القوى بين واشنطن وطهران.
حتى الآن، تبدو الاستراتيجية الإيرانية وفية لهذا المنطق. ففي طهران، يسود على الأرجح انطباع مفاده أن ترامب هو الآخر يتحرك ضمن مرحلة انتظار وترقّب، إذ لم يُترجم حتى اللحظة سوى جزء محدود من التهديدات التي أطلقها. ومن ثمّ، تبدو دبلوماسية الملالي وكأنها تستند إلى ما نظّر له الأكاديمي روبرت أكسلرود (Robert Axelrod): فإذا كانت جولات التفاوض تتيح لإيران مواصلة لعبة كسب الوقت من دون أن تتحمل كلفة ملموسة، فإن اعتماد هذه الاستراتيجية يغدو خيارًا عقلانيًّا. وفي مواجهة رئيس يجمع بين صعوبة التنبؤ بسلوكه والخشية من ردود أفعاله، يبدو النظام الإيراني منخرطًا في منطق تكيّف دائم، يعيد من خلاله ضبط تموضعه يوميًّا وفق الإشارات الصادرة من واشنطن: التصعيد في مواجهة التصعيد، وفي مقابل كل انفتاح دبلوماسي، تبرز مرحلة جديدة من التسويف وكسب الوقت.
يقوم هذا الرهان على فرضية بسيطة مفادها أن كل يوم إضافي يمرّ، من شأنه أن يباعد أكثر فأكثر بين الأطراف وإمكان استئناف النزاع. وفي هذا السياق، يشكّل افتتاح كأس العالم هذا الخميس، المنظّم في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، ثم انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني 2026 على وجه الخصوص، محطتين سياسيتين بالغتَي الأهمية. فإذا ما تأكدت التوقعات التي ترجّح خسارة الجمهوريين للأغلبية في مجلس النواب، واحتدام المنافسة على السيطرة على مجلس الشيوخ، تستعيد نظرية “اللعب على مستويين” التي طوّرها روبرت بوتنام (Robert Putnam) عام 1988 كامل راهنيتها. فالرئيس الذي يواجه تراجعًا في قاعدته الداخلية يواجه حتمًا تقلصًا في هامش مناورة سياسته الخارجية، لا سيما عندما يتعلق الأمر بخيار دعم مجهود عسكري قد تصل كلفته إلى عشرات مليارات الدولارات. ووفق هذه القراءة، يقوّض استنزاف الوقت تدريجيًّا، من المنظور الإيراني، مصداقية التهديدات الأميركية، بما قد يحدّ من قدرة الرئيس على ترجمة أقصى خياراته عمليًّا، ويدفع بالتالي إلى إطالة أمد المفاوضات إلى أقصاه، وانتزاع اتفاق تكون شروطه أكثر ملاءمة لطهران مما يسمح به ميزان القوى الفوري الذي تسعى إليه إدارة البيت الأبيض.
أما استراتيجية ترامب الرامية إلى إرغام إيران على قبول اتفاق بشروط غير مواتية، فتبدو في هذه المرحلة قائمة على اختبار الزمن، من خلال الجمع بين خنق اقتصادي قائم على العقوبات والحصار البحري، وضغط نفسي متواصل تغذّيه التهديدات المتكررة بالتصعيد العسكري. غير أن هذا الشكل من “الانتظار القسري” لم يفضِ، حتى الآن، إلى إحداث تحوّل استراتيجي حقيقي في طهران، ما يطرح تساؤلات حول الحاجة إلى قطيعة في المقاربة المعتمدة إذا كان الهدف هو انتزاع تسوية أكثر طموحًا من اتفاق عام 2015 النووي، الذي انسحب منه ترامب عام 2018 بعد أن وجّه إليه انتقادات حادة. فقد اقتصر ذلك الاتفاق على الملف النووي وحده، ولمدةٍ تقارب خمسة عشر عامًا، من دون أن يتناول ملف الصواريخ الباليستية أو شبكات الوكلاء الإقليميين. غير أن موقع “أكسيوس” أفاد بأن المباحثات الجارية أفضت إلى بلورة خريطة طريق تتيح استئناف التبادل التجاري بصورة شبه فورية، مع تثبيت مبدأ إطلاق مفاوضات لاحقة بشأن الملفات الأشدّ حساسية، وفي مقدمتها البرنامج النووي. وقد جرى، بحسب المعطيات المتداولة، الانتهاء من إعداد هذه الخريطة مساء الخميس، بانتظار توقيعها خلال الأسبوع المقبل. غير أن ذلك لا يضمن أن طهران، بعد اجتياز هذه المرحلة الأولى، لن تعود إلى استراتيجية المماطلة التي شكّلت سمة راسخة في سلوكها منذ عقود، معوّلة على عامل الزمن وعلى استحقاق انتخابات منتصف الولاية في تشرين الثاني، من أجل التفاوض لاحقًا من موقع أكثر صلابة.
وربما لا يكمن التحدي الأساسي أمام واشنطن في مجرد التحلّي بالصبر، بقدر ما يكمن في الانخراط لفترة طويلة في زمنية أتقنت طهران ترويضها وتوظيفها منذ عقود. فالوقت ليس عاملًا محايدًا، بل يشكّل واحدة من أهم الأدوات الاستراتيجية في يد النظام الإيراني، الذي نجح مرارًا في تحويل انتظار خصومه إلى مكسب تفاوضي. مع ذلك، لا يعني الإقرار بحدود هذه المقاربة، بالضرورة، الدعوة إلى العودة إلى منطق المواجهة العسكرية. فالقطيعة الحقيقية في النموذج السائد تكمن، بالأحرى، في بلورة استراتيجية تتجاوز الثنائية العقيمة بين الجمود الدبلوماسيّ والتصعيد العسكريّ، عبر فرض كلفة فورية ومتزايدة على طهران مقابل إطالة أمد المفاوضات. ذلك أن ترك الزمن وحده يحدّد إيقاع ميزان القوى، في مواجهة نظام جعل من التحكم بالوقت أداة من أدوات النفوذ، لا يعني سوى التنازل التدريجي عن زمام المبادرة.
مواضيع ذات صلة :
لماذا ترتعد طهران من فكرة “ما بعد الحرب”؟! | جولة سويسرية مرتقبة بين واشنطن وطهران ورسالة دعم من الكونغرس لترامب | تقدم أميركي – إيراني في سويسرا وسط تباين بشأن الملف النووي |




