رهانات الاتفاق!

كتب Charles Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:
يكتنف إعلان التوصّل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران قدرٌ من الغموض من جوانب متعددة، بدءًا من بنود الاتفاق وصولًا إلى آليات تنفيذه. فالضبابية تبقى سيدة الموقف، في ظلّ حالة من عدم اليقين لا يبدو أنّها ستنقشع قريبًا. يعود ذلك أولًا إلى الغاية من المفاوضات الجارية حاليًا، كما إلى آليّات التنفيذ. ومن شأن الانطباع السائد بأنّ الاتفاق يفتقر إلى الصياغة الكافية والإعداد المتقن، أن يترك آثارًا عكسيةً، وأن يُفضي إلى نتائج غير محسوبة في الأجل القصير. لذلك لا يمكن أن تجازف الإدارة بإبرام اتفاق متسرّع، تفتقر مكوّناته إلى التماسك، وتعتري بنيته اختلالات في الصياغة، والتدرّج، والتنفيذ.
ويجري الحديث عن اتفاق إطار توصّل إليه الطرفان، يُفترض أن يشكّل قاعدةً لانطلاق ديناميّة دبلوماسية جديدة. غير أنّ الفرضيات المتداولة في مصادر متعدّدة تبقى أقرب إلى مجموعة من المقترحات الّتي لا تستوفي مقتضيات الصياغة والتفصيل. ومن ثمّ، يصعب أن تُشكّل إطارًا مرجعيًّا لخطوات منسّقة في مجالات تسوية النزاعات، ونزع السلاح، وإدارة العقوبات المالية، وتنظيم الممرّات البحرية الدولية. وتكمن الإشكاليّة في التوصّل إلى أطر عمل مشتركة وقابلة للتطبيق، وفي إطلاق مسارات مستدامة تتيح ترجمة التفاهمات إلى إجراءات عملية على المدى الطويل.
يتسرّب مناخٌ من التشكيك إلى مختلف جوانب المفاوضات الاستكشافية، ما يهدّد بتقويض صدقيّتها منذ نقطة الانطلاق. فمن العسير المضيّ قدمًا في هذه الملفات في ظلّ غياب توافقات راسخة حول القضايا الاستراتيجية. ذلك أنّ مسائل تخصيب اليورانيوم، وإدارة المخزونات القائمة، والعتبات الاستراتيجية، تفتقر حتى الآن إلى التزامات واضحة وحاسمة، ذات صلة بأنظمة التفتيش، والجهات المشغِّلة، وتسلسل مراحل التنفيذ، والأهداف السياسية الّتي تشكّل إطارها المرجعيّ. ويُخيّم القدر عينه من الشك على قضية الممرّات البحرية والقيود الّتي تفرضها إيران عليها، في حين تندرج معالجة هذه المسألة الاستراتيجية في صلب القانون الدوليّ للبحار، وما يتصل به من رهانات استراتيجية. كما لا يمكن أن يُفضي التداخل بين المقتضيات الأمنية، والضوابط التنظيمية، إلى ترتيبات ضيقة الأفق أو ملتبسة المعالم.
وترتبط قضية التسلّح الباليستيّ ارتباطًا وثيقًا بقضية “المنصّات العملياتيّة المندمجة”، بحكم اتصالهما المباشر بسياسة التخريب الّتي انتهجها النظام الإيرانيّ على امتداد العقود الخمسة الماضية. وينطبق الأمر عينه على العقوبات المالية، واحتمالات تخفيفها أو إرخائها في حال الالتزام ببنود المشروطية السياسية ـ العسكرية. إذ يفترض تنفيذ هذه البنود قيام توافق سياسيّ ـ استراتيجيّ، يشكّل الإطار الناظم والشرط المسبق قبل الانتقال إلى معالجة الجوانب التنفيذية. غير أنّ النظام الإيرانيّ مُصرّ على استحداث المزيد من العراقيل، والالتفاف على الأطر النّاظمة، والتموضع في منطقة من التردّد وعدم الحسم، حفاظًا على هامش سلطته التقديرية، وصونًا لقدراته على المناورة والإبقاء على حالة الالتباس. وأي تفاوض يُقوّض شروط القابلية للتنفيذ فمصيره الفشل.
أمّا في لبنان، فيبدو أنّ المشهد يصطدم بالشروط المانعة عينها الّتي تحول دون تصدّر أي مسار لتسوية النزاعات واجهة الأحداث. فالبلاد لا تزال أسيرة بيئة سياسية مأزومة ومُحبِطة لأي مسعى تفاوضيّ جاد نحو السلام. مع ذلك، تكاد غالبيّة اللبنانيين تُجمع على ضرورة اعتماد دبلوماسية تتيح الخروج من دوّامات الصراع المتعاقبة. وبصرف النظر عن مواقعهم على الخريطة السياسية والإيديولوجية، فهم يتوافقون على إرادة السلام، باستثناء شريحة من الطائفة الشيعيّة الّتي تجد صعوبة في التحرّر من الدوامة الإيديولوجية، ومن الإقفالات الّتي فرضتها عليها ثقافة نضالية ـ قتالية استحوذت على وجدانها وسلوكها السياسيّ منذ أكثر من أربعة عقود. وتتداخل امتدادات هذه النزعة ضمن استراتيجية إمبراطورية متعددة المستويات والتشابكات، حيث أعادت سياسات التخريب، والإرهاب، والجريمة المنظمة، رسم المشهدين الاجتماعيّ والسياسيّ.
وفي غياب استراتيجية لنزع التطرّف، وإعادة التأهيل السياسيّ والمدنيّ، ستواجه دائمًا المقاربات البديلة لإحلال السلام صعوبات جمّة لناحية الترسّخ والاستقرار. ومن غير المتصوّر وضع استراتيجية للخروج من النزاعات من دون نجاح سياسة فكّ التشابك بين الحقلين السياسيّ والعملياتيّ في العلاقة القائمة بين لبنان وإيران. وفي نهاية المطاف، من المفترض التساؤل حول مدى إمكان إحداث مثل هذه الانعطافات. فهل يجعل غياب أي تغيير في موازين القوى، في داخل مجتمعات تفتقر إلى حكم القانون، ويتّسم فيها الأساس المعياريّ الّذي تستند إليه بالهشاشة، فرصَ سلامٍ منشودٍ، وبعيد المنال ومستبعد، فعلًا على المحكّ؟ كلّها أسئلة مُقلقة تدعونا إلى التأمّل، في لحظة يتسارع فيها إيقاع النزاعات على نحو لافت، ويُعيدنا إلى فراغات مؤسساتية، ومعيارية، وأمنية، تجعل شروط البحث عن السلام أكثر هشاشة وعدم يقين من أي وقت مضى.
تُفاقم التذبذبات الاستراتيجية والأمنية تعقيدات مسار البحث عن السلام. وتتسم السياسة الّتي ينتهجها النظام الإيرانيّ بطابع صراعيّ واضح، مع مَيْلٍ محدودٍ إلى البحث عن تسويات تفاوضية للنزاعات. وعلى الرّغم من الإخفاقات المتراكمة لحروب مدمّرة، تبدو استمرارية هذا النظام مرهونة بسياسة تفكيكية صريحة. كما تتجدّد نزعة النظام الإسلاميّ الإيديولوجية التوسعية باستمرار، فيما تتزايد الاضطرابات الأمنية. ويغدو البحث عن سلامٍ تفاوضيّ أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى، ولا سيّما في مواجهة الأوهام المستمرة. ويظلّ نموذج السلام بعيدًا عن أي مسار خطيّ، ليضعنا أمام تعقيدات واقع شديد التركيب، تتداخل فيه سيناريوهات الحرب والسلام بصورة دائمة.
مواضيع ذات صلة :
بالصّور: “لبنان أولاً” على طريق المطار بدل “شكراً إيران”! | التصعيد يتجدّد بين واشنطن وطهران… ضربات متبادلة وتهديدات مفتوحة! | نتنياهو: الاتفاق الإطاري مع لبنان ضربة كبيرة لإيران |




