لبنان: إعادة رسم التوازنات ودبلوماسية ما بعد النزاعات

ترجمة هنا لبنان 19 حزيران, 2026

كتب Mario Chartouni لـ”Ici Beyrouth”:

تترك تداعيات الاتفاق الأميركيّ – الإيرانيّ اللبنانيين في حالةٍ من الحيرة إزاء المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية الّتي تتوسط فيها الإدارة الأميركية. ومن غير المجدي الانجرار إلى التخمينات قبل تقييم انعكاس هذه التطورات على المسار الدبلوماسيّ الجاري. ويُشار إلى أنّ الإدارة الأميركية والدولة اللبنانية تؤيّدان هذا المسار وتواصلان دعمه. أمّا الشائعات الّتي يُروّج لها النظام الإيرانيّ بشأن “ضمّ الملف اللبنانيّ” فتندرج، وفق هذا الطرح، في إطار استراتيجية تقوم على التشويش وإرباك مسارات التفاوض.

قد تعرّض استراتيجية التضليل المنسوبة إلى النظام الإيرانيّ المفاوضات لمخاطر التعطيل، عبر التلاعب بالوقائع، وتعمّد تشويه المعطيات، وإعادة صياغة طبيعة الملفات المطروحة. ولا تبدو هذه المقاربة معزولةً، بل تعكس بيئةً دبلوماسيةً ملتبسةً تتداخل فيها الرسائل، وتضعف فيها معايير الوضوح والاتساق. وقد يؤدّي ذلك إلى إرباك المسار التفاوضيّ، حيث يجد الدبلوماسيون أنفسهم أمام تعقيدات تحدّ من هامش الموضوعية وتضعف إمكانات التوصل إلى تفاهمات.

وتُشير المعطيات الأولية إلى وجود تباينات على مستوى الاتصالات الاستكشافية، وإطار التفاوض، وجدول الأعمال، والنصوص المرجعيّة. كما يتّسم المسار بقدر من الأحادية والضغط، في ظلّ غياب مؤشرات واضحة على نوايا تسووية حقيقية. وتكشف الوثائق المتداولة بدورها عن تباين في المقاربات حيال طبيعة العملية التفاوضية. إذ تبدو الأبعاد الأمنية، والقانونية، والسياسية، والاستراتيجية، متشابكة ومفتوحة على تأويلات متعددة، ما يحدّ من قابليّتها لتشكيل أرضية صلبة لأي تسويات نهائية. وفي المقابل، يُفهم من المواقف الإيرانية تمسّك واضح بهوامش حركة واسعة، ورفض لأي قيود تمسّ قدراتها الأمنية والاستراتيجية.

كما لا يُسجَّل أي إحالة صريحة إلى قواعد القانون الدوليّ للبحار في ما يتعلق بتنظيم مضيق هرمز، إلى جانب اعتراض على أي ترتيبات من شأنها تقييد هامشها الإقليميّ، أو الحدّ من قدرتها على المناورة الاستراتيجية. كذلك، تبرز مواقف رافضة لمحاولات الالتفاف على العقوبات الاقتصادية، مع التأكيد على استعادة هامش نفوذ واسع على مستوى الإقليم. ويأتي ذلك في سياق توازنات إقليمية لا تزال في طور التشكّل، على الرغم ممّا أفرزته العمليات العسكرية المتتالية من إعادة توزيع للقدرات الميدانية. ويعكس هذا التحول الدبلوماسيّ تعقيدات واضحة في إعادة صياغة التوازنات الإقليمية، بما يضع الإدارة الأميركية أمام معادلات دقيقة مع شركائها الإسرائيليين، وحلفائها الإقليميين. وقد تفتح هذه التحوّلات الباب أمام اصطفافات جديدة تعيد رسم المشهد الإقليميّ. أمّا الاتفاق الإطاريّ وهدنة الستين يومًا، فلا يبدو أنّهما كافيان لتأكيد مسار تحوّل استراتيجيّ مستقر، في ظل استمرار التباينات حول طبيعة الأهداف والتموضعات.

وفق هذا الطرح، يُقدَّم تعطيل المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية بوصفه خيارًا معلنًا لدى النظام الإيرانيّ، في حين لا تزال الطائفة الشيعية في لبنان متمّسكة بسرديّة تُعيد إنتاج أنماط متكرّرة من العنف امتدّت لعقود طويلة. أمّا مسار الدولة اللبنانية السياسيّ الجديد فيرتبط، أكثر من أي وقت مضى، باستمرار المفاوضات الّتي ترعاها الإدارة الأميركية، بهدف تعزيز ما يُفترض أنّه استقلالية وطنية، وحصر الملفات ذات الطابع السياديّ، والحدّ من عودة النفوذ الإيرانيّ الّذي يُقدَّم بوصفه مشروعًا بامتدادات إقليمية. ويُنتظر من الدولة اللبنانية إعادة تثبيت سيادتها، وإنهاء أشكال التداخلات العابرة للحدود، ومواصلة التفاوض الثنائيّ مع إسرائيل على أساس اتفاق سلام يُفترض أن يكرّس نهاية حالة العداء بين الطرفيْن، وإلّا قد تعود دوائر العنف البنيويّ إلى التصاعد.

لن يستمر طويلًا أي مسار تفاوضيّ محدود الأفق، وخالٍ من رؤية تسوية مستدامة؛ إذ لا يؤدّي الاكتفاء بترتيبات أمنية مؤقتة، أو بتأجيل المواجهة سوى إلى إبقاء البلاد في حالة صراع مُعلّق. كما تُفهم محاولات إعادة تموضع حزب الله باعتبارها ربطًا للداخل اللبنانيّ بتوازنات إقليمية مضادة، يُفترض أنّها تسعى إلى إعادة خلط نتائج الضربات الّتي طالت البنى العملياتية الإيرانية. في المقابل، ترفض المقاربة الإسرائيلية هذه السيناريوهات، وتتعامل مع أي محاولات لإعادة إنتاج أدوات الضغط أو التفاوض بوصفها مسارات غير مقبولة. وفي هذا السياق، لا يُطرح أمام الدولة اللبنانية سوى خيار الاستفادة من المسار الّذي ترعاه الإدارة الأميركية لإنهاء دوّامة العنف الّتي طبعت تاريخ لبنان في خلال العقود السبعة الماضية.

لا يبدو أنّ هذا التحول الدبلوماسيّ والاستراتيجيّ المفاجئ كافٍ لضبط المتغيّرات غير المحسوبة في بيئة إقليمية تتسم بالتفكّك. إذ تعود المنطقة مُجدّدًا إلى دوامة معقدة، تغيب فيها الأطر الناظمة، ويتفاقم فيها عدم الاستقرار على نحو واسع ومفتوح. ويبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت إعادة ترسيخ قواعد السلوك الدوليّ، وإحياء فرص تسويات تفاوضية للنزاعات ممكنة، في غياب توازن جيوستراتيجيّ جديد.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us