مطار رفيق الحريري الدوليّ: نموذج إداريّ جديد مستوحى من مجموعة مطارات باريس

ترجمة هنا لبنان 20 حزيران, 2026

كتبت Liliane Mokbel لـ”Ici Beyrouth”:

وافق مجلس الوزراء، يوم الإثنين، على إنشاء شركة مطار رفيق الحريري الدوليّ (AIB)، بناءً على اقتراح وزارة الأشغال العامة والنقل. ويمثل هذا القرار خطوة مفصلية في تطبيق قانون الطيران المدنيّ الصادر عام 2002، الّذي بقيَ غير مُفعّل بشكل كبير، ولأكثر من عقديْن.
وجاء هذا القانون ضمن موجة الإصلاحات الّتي أعقبت مؤتمر باريس 1 عام 2001، وهدفت إلى تحديث حوكمة البنى التحتية العامة، وتعزيز كفاءة إدارتها وشفافيتها.

شركة لتوحيد التشغيل والاستثمار
سيتولى الكيان الجديد مهمة دمج جميع أنشطة التشغيل والاستثمار في المطار، تلك الّتي كانت موزعة حتى اليوم بين عقود وجهات تشغيلية متعددة. وبذلك، ستصبح الشركة المشغّل الوحيد للمطار، والمسؤولة عن إدارة البنية التحتية، والخدمات التجارية، والعمليات التشغيلية الخاصة بالمرفق.
ويأتي هذا القرار استكمالًا للإطار المؤسسيّ الّذي أُرسِي عام 2025 مع إنشاء الهيئة العامة للطيران المدنيّ، المكلّفة بالإشراف على قطاع الطيران وتنظيمه.

نموذج مستوحى من مجموعة مطارات باريس
ترتكز هذه الإصلاحات على مبدأ دوليّ قائم على الفصل بين مهام التنظيم ومهام التشغيل، ويستند النموذج المعتمد لمطار رفيق الحريري الدوليّ إلى تجربة مجموعة مطارات باريس.
ففي فرنسا، تعمل المجموعة كمشغّل متكامل يتولى إدارة البنى التحتية، والأنشطة التجارية، وتطوير العقارات المرتبطة بالمطارات، ضمن إطار يخضع لإشراف الدولة الّتي تضطلع بمهام التنظيم والرقابة وفق معايير صارمة في مجالات السلامة، والأداء، والشفافية.
ويهدف لبنان إلى اعتماد بنية مماثلة، بحيث تتولى شركة مطار رفيق الحريري مهام التشغيل والاستثمار، فيما تضطلع الهيئة العامة للطيران المدنيّ بمهام التنظيم، والإشراف، والرقابة على القطاع.
غير أنّ التحدي الأبرز في الحالة اللبنانية، بخلاف النموذج الفرنسيّ القائم على مؤسسات راسخة، يتمثل في ضمان تطبيق آليات الحوكمة بشكل فعليّ، بما يكفل استقلالية الجهة الناظمة، وشفافية القرار، وترسيخ مبدأ المساءلة.

شركة بنطاق موسّع
هي شركة تملكها الدولة بشكل كامل، مع إمكان فتح جزء من رأسمالها وفق التشريعات النافذة؛ وتتولى دمج أنشطة كانت حتى اليوم مجزأة بين جهات وعقود تشغيلية متعددة، وتشمل: تشغيل البنى التحتية، وإدارة المتاجر والمطاعم والأسواق الحرة ومواقف السيارات، إضافة إلى الشحن الجويّ، وخدمات التموين، والتزويد بالوقود، وبعض العمليات التقنية واللوجستية.
كما ستكون مسؤولة عن تنظيم المطار الداخليّ، وإدارة المساحات، واستيفاء الرسوم. ويمكن إسناد بعض هذه الأنشطة إلى متعهدين من الباطن، ضمن إطار خطة إدارة موحدة.

هيئة تنظيمية بصلاحيات موسّعة
ستحافظ الهيئة العامة للطيران المدنيّ على دور محوريّ في تنظيم القطاع، إذ تتولى مهام السلامة الجوية، ومنح التراخيص، والإشراف على شركات الطيران، وإدارة الملاحة الجوية، إضافة إلى الخدمات المساندة مثل الأرصاد والاتصالات الجوية.
كما ستحدد شروط تشغيل المطارات، وتشرف على البنى التحتية، وتوافق على التعرفة، وتضمن الالتزام بالمعايير والاتفاقيات الدولية.
وبالإضافة إلى مهامها التقنية، ستعمل على تعزيز المنافسة العادلة بين المشغلين، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمسافرين.

الحوكمة: اختبار الإصلاح الحقيقي
حتى إن شكّل إنشاء هذه الشركة خطوة متقدمة، يبقى نجاح الإصلاح مرهونًا بكيفية تطبيقه على أرض الواقع.
إذ أنّ القضية المركزية هي الحوكمة. وفي ظل تولي الشركة الجديدة إدارة أنشطة اقتصادية وتجارية واسعة، تبرز تحديات أساسية تتعلق بمنع تضارب المصالح، وضمان الشفافية في إسناد العقود، وتمكين الجهة الناظمة من ممارسة رقابة مستقلة وفعالة.
وتُظهر التجربة اللبنانية أنّ إنشاء هياكل جديدة لا يكفي وحده لإحداث تحسين فعليّ، بل يتوقف الأمر على مستوى استقلالية المؤسسات الفعلية، وجودة آليات الرقابة، والالتزام العمليّ بقواعد الشفافية والمساءلة.

إصلاح انطلق أخيرًا… إنّما ينتظر الإثبات
بهذا القرار، يخطو لبنان خطوة طال انتظارها نحو تحديث نموذج إدارة مطار رفيق الحريري الدوليّ – بيروت، بعد أكثر من عشرين عامًا من الجمود.
ولكن، كما في معظم الإصلاحات العامة، تبدأ المرحلة الأصعب الآن. إذ لا يضمن قيام شركة مطار رفيق الحريري الدوليّ، والهيئة العامة للطيران المدنيّ، تلقائيًّا، تحقيق الشفافية أو الكفاءة. ويبقى النجاح مرهونًا بقدرتهما على العمل باستقلالية، ومقاومة التدخلات السياسية، وترسيخ قواعد حوكمة ذات مصداقية.
ويكتسب هذا التحدي أهمية مضاعفة، بالنظر إلى أنّ تجارب سابقة في قطاعات حيوية أظهرت مرارًا، لا سيّما في قطاعات الطاقة، والاتصالات، وإدارة النفايات، حدود فعالية الهيئات التنظيمية عندما تفتقر إلى الاستقلالية الكافية لفرض قواعد اللعبة، وضمان احترامها، وحماية المنافسة.
وبعد أكثر من عشرين عامًا من التأخير، لم يعد التحدي الحقيقيّ اليوم في تعديل النصوص، بل في تحويل المؤسسات إلى واقع فاعل يُطبَّق على الأرض.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us