تفكيك الاتفاق الأميركيّ – الإيرانيّ

كتب Charles Chartouni لـ”Ici Beyrouth”:
يكشف تفكيك مسار الدبلوماسية الجارية عن تحوّلات مفاجئة وعميقة، تُعيد طرح علامات استفهام حول الأطر التفسيريّة المعتمدة في الصراع القائم. فما الّذي يفسّر هذا التحوّل؟ وما الغاية الحقيقية من المفاوضات المرتقبة في المستقبل القريب؟ وهل كان لا بدّ من المرور بهذا الفاصل الانتقاليّ، بما يحمله من شروط متقلّبة وغير محسومة، من أجل العودة إلى طاولة المفاوضات؟
لا تدعو ردود الفعل الصّادرة عن الجانب الإيرانيّ إلى التفاؤل، إذ يبدو النظام مُتمسّكًا بمواقفه التقليدية وغير مستعد لتعديل مساره. فالخطاب الانتصاريّ المُفرغ من المضمون يعكس طبيعة النظام المزدوجة: الإصرار على خطاب القوة من جهة، واستمرار القمع العنيف واعتماد استراتيجيّة قائمة على تشويش الرسائل، والتحكّم في المجال الاتصاليّ، من جهة أخرى.
تكشف هذه المقاربة الكثير عن طبيعة النظام الإيرانيّ المتصلّب في بنيته الإيديولوجية، في حين لا تبدو دبلوماسيّته سوى ممارسة استعراضية تفتقر إلى التحوّل الحقيقيّ. فالمسار الدبلوماسيّ لا يرتبط، بأي حالٍ من الأحوال، بإعادة صياغة جوهر الخطاب أو بإرادة صادقة نحو السّلام. كما لا يظهر النّظام اكتراثًا فعليًّا بالتبعات المدمّرة لحرب طويلة الأمد، بل يوظّف استمرار حالة الصراع لترسيخ منطق السلطة المطلقة داخليًّا، والإبقاء على مناخ القلق وعدم الاستقرار إقليميًّا.
بل يسعى النظام إلى تحويل هذه الأزمة إلى أداةٍ لإبطاء مسار تراجعه، وفتح نافذة أمام تحالفات جديدة تمنحه قدرة أكبر على تجاوز الضغوط الأميركية واستعادة هامشه العملياتيّ، خصوصًا بعد التراجع المؤقت في تماسك التحالف الإسرائيليّ – الأميركيّ، لمصلحة مرحلة أمنية انتقالية، تبقى حدودها وقواعدها غير محدّدة.
تبدأ إعادة قراءة بنود هذا الترتيب الأمنيّ من طبيعة الغموض الّذي يطبع مقاربته: فهو ليس اتفاق سلام، ولا هدنة عسكرية بين جيوش متواجهة. نحن أمام مساحة من عدم اليقين المقصود، يستثمرها النظام للحفاظ على مرونته التكتيكيّة وقدرته على المناورة. أمّا الإدارة الأميركيّة فتتحرّك ضمن موقع مركّب، يجمع بين دور الطرف المنخرط في المواجهة، والفاعل الدبلوماسيّ، والوسيط والمفاوض في إدارة النزاعات؛ وهو ما يفسّر التداخل والتناقضات الّتي تحكم هذا الدور.
وتتحدد الاعتبارات الأساسيّة الّتي تقف خلف هذا المسار في النقاط التالية:
1 – رغبة أميركية في إنهاء الحرب لأسباب استراتيجية وسياسية متعدّدة؛
2 – مصلحة النظام الإيرانيّ في تخفيف الضغوط المحيطة به من مختلف الجهات؛
3 – الحسابات الاستراتيجية المرتبطة بأمن مضيق هرمز وانعكاساته على سوق الطاقة والسياسة الدولية؛
4 – التحوّلات النّاتجة عن اجتماعات مجموعة السبع وإعادة تشكيل منظومة الدفاع عبر الأطلسيّ؛
5 – إعادة تعريف الأولويات الاستراتيجية والأمنية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل؛
6 – غموض الالتزامات، وتبدّل الأطر المنظمة للمفاوضات بشكل مستمر، بما يفسّر أزمة المصداقية.
تعيدنا هشاشة الأطر التنظيمية النّاظمة إلى مجموعة من التساؤلات الجوهرية:
1 – لا تعير الإدارة الأميركية نتائج التفوق العسكريّ أهمية، وتقلّل من انعكاساته السياسية والدبلوماسية؛
2 – تبقى التنازلات المرتبطة بمضيق هرمز غير مفهومة، إذ يبدو أنّ منطق الإملاء الإيرانيّ قد حلّ مكان مرجعية القانون الدوليّ؛
3 – يبقى الغموض مُخيمًا على الملف النوويّ، بما في ذلك مستويات التخصيب، وإدارة مخزونات اليورانيوم، واحتمالات عسكرة البرنامج النوويّ، إضافةً إلى أنظمة التفتيش؛
4 – يلفّ رفع العقوبات المالية المحتمل، وتحدّيات إعادة الإعمار، وبنود الشروط المرتبطة بها، عدم اليقين؛
5 – وأخيرًا، يبرز تغييب متعمّد للشعب الإيرانيّ، الّذي يُقتل، ويُضحّى به في ظل ديكتاتورية دمويّة. ويبقى هذا التحوّل المفاجئ غير قابل للتفسير من منظور المحاسبة الديمقراطية، أو في إطار بلورة دبلوماسية لتسوية النزاعات.
نواجه اليوم المُعضلات عينها الّتي طبعت هذا الصراع منذ بدايته، كما نواجه مناخًا مستمرًّا من عدم اليقين، رافق العلاقات مع ديكتاتورية شمولية تتحرّك ضمن استمرارية تتقاطع فيها المصالح الاستراتيجية مع خطوط الانقسام الإيديولوجيّ. وهذا ما يُثير تساؤلًا حول مدى قابليّة التوفيق بين دبلوماسية قائمة على الصفقات، وإمبريالية إسلامية تقوم على منطق التخريب والتقويض. تبدو مهلة الستين يومًا كافية لتقييم جدوى هذا المسار الدبلوماسيّ، وأثره في فضاء جيوسياسيّ يعيش حالة تفكك متسارع.
النقد هنا ذو طابع منهجيّ بالأساس، إذ تتقدّم المقدمات وقواعد السلوك بصورة غير منسجمة، في غياب إطار ناظم يحدّ من التناقضات، والانزلاقات، والالتزامات غير المستدامة. وعليه، تتكشّف تناقضات بنيوية تُعيد التشكيك في هذا المسار برمّته.
يشكّل المسار الدبلوماسيّ المتعلّق بلبنان مثالًا واضحًا على هذه الإشكاليّة. فالديناميّة القائمة تتحرّك بصورة متوازية بين مساريْن، إنّما من دون تنسيقٍ كافٍ: المفاوضات الأميركية – الإيرانية من جهة، والمفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية من جهة أخرى. وفي هذا السياق، تثير الدعوة الّتي أطلقها الرئيس ترامب إلى تدخّل النظام السوريّ لاحتواء المخاطر الأمنية الّتي يمثّلها حزب الله إشكالات واسعة، لأنّها تحيل إلى تناقضات استراتيجية ودستورية عميقة.
فمن غير المقبول إدماج لبنان ضمن المجال الاستراتيجيّ الإيرانيّ، إلّا إذا كان ذلك يعني الإقرار بالهيمنة الإيرانية، والاعتراف بالامتدادات السياسية والاستراتيجيّة الّتي أقامها النظام الإيرانيّ. لذلك، من الضروريّ أن تستمرّ المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية على قاعدة مستقلّة، وأن تُعالج الملفّات المختلفة ضمن سياقات منفصلة. وهذا يُعيدنا إلى السؤال المنهجيّ الأول: سؤال المقدّمات، والغايات، والأدوات المستخدمة في إدارة هذا المسار.
تُعيد هذه المراجعة المختصرة طرح مسألة جدوى هذا الخيار الدبلوماسيّ، خصوصًا أنّ المعطيات العسكرية لم تُحسم بعد، وأنّ توجّهات النظام الإيرانيّ لا تزال تثير إشكالاتٍ جوهريةً. وقد يتحوّل وقف الحرب في توقيت غير مناسب، وما قد ينتج عنه من آثار عكسية، إلى عامل يُعيق إمكان التوصل إلى حل تفاوضيّ مستدام.
ومهما كانت الاعتراضات المطروحة على الحرب، فهي تبقى غير كافيةٍ من دون تصوّرات عمليةٍ تستهدف معالجة جذور نزاع ذي أبعاد وجوديّة واستراتيجية في آنٍ. فلا يمكن اختزال هذه القضية في مواقف مبدئية مجرّدة، أو في تمنّيات لا تستند إلى آليات تنفيذية. ويكشف تأجيل جلسة التوقيع في سويسرا عن صعوبات مسار دبلوماسيّ لم تُستكمل عناصره، ولم تُحسم شروطه الأساسية.




