إيران – لبنان: هل نملك حق إبداء الرأي هنا؟!

ترجمة هنا لبنان 25 حزيران, 2026

كتب Marc Saikali لـ”Ici Beyrouth”:

ثمة أمر غاية في الإهانة يمرّ به لبنان اليوم. إهانة يعيشها بلد يُناقَش مستقبله في مكان آخر، من قبل أطراف أخرى، ومن دون حضوره.
في سويسرا، اجتمع دبلوماسيون إيرانيون وأميركيون للبحث في مستقبل برنامج طهران النوويّ. حسنًا. إنّما، وبشكل رسميّ تمامًا، نوقش أولًا مصير لبنان. فقد أصر الإيرانيون على أن تُبحث مسألة الحرب في لبنان مباشرة معهم، ونالوا مرادهم. حتى أنّ آلية تراقب وقف إطلاق النار باتت قيد الدرس.
وبعد أن تسببوا باندلاع الحرب، ها هم الملالي يتظاهرون بالاهتمام برفاه لبنان. إنها الحيلة الكلاسيكية: رجل الإطفاء هو من يشعل الحريق.
يبقى حزب الله، ذراع الجمهورية الاسلامية العسكريّ، والميليشيا الإيرانية بجواز سفر لبنانيّ، في صلب هذه الترتيبات. وماذا عن اللبنانيين؟ اللبنانيون يترقبون، ويكتفون بمتابعة بيانات من هنا وهناك. والأهم أنّهم ليسوا بسذّج. فبحسب دراسة نُشرت في الثامن عشر من شهر حزيران، يرغب 37% من اللبنانيين في مغادرة البلاد، وغالبيتهم من الشباب وأصحاب الشهادات. هذا لأنهم أدركوا، شأنهم شأن الكثيرين، بأنّ أمل العيش في بلد “طبيعيّ”، مع أناس “طبيعيين”، يبتعد أكثر فأكثر. وكدليل إضافيّ، هذا إن احتاج الأمر إلى دليل، يمرّ المتوجهون إلى مطار بيروت، أولئك الّذين يغادرون من غير رجعة ربما، تحت صور عملاقة لخامنئي الأب والابن، بلحيتيْهما الكثيفتيْن، مع عبارة: “شكرًا إيران”. على ماذا نشكر إيران بالتحديد؟! هل نشكرها على التسبب بمقتل أكثر من 4000 لبنانيّ؟ أم نشكرها على التسبب بتدمير البلد؟ أم نشكرها على رمي مليون شخص على طرقات النزوح؟ هذه الصور لا تمثّل امتنانًا. لا بل اعترافات. اعتراف بأنّ هذه الحرب كلها لم تخدم سوى مصالح إيران الّتي، وبعيدًا كل البعد عن أي عقلانية، نشكرها!!!
في هذه الأثناء، تستمرّ في واشنطن جولة أخرى من المحادثات، تجري هذه المرة بين الإسرائيليين واللبنانيين، وتتناول مناطق نموذجية قد ينتشر فيها الجيش اللبنانيّ في الجنوب، ونزع سلاح الميليشيا غير الشرعية. إنّها خطوة إلى الأمام… على الورق. ولكن، هنا أيضًا تتجلّى حدود المشهد: يتفاوض لبنان على شروط سيادته، بينما يتفاوض سيّده المزعوم الحقيقيّ، إيران، مع الولايات المتحدة من دون حتى أن يتكلف عناء دعوته إلى الطاولة.
أين الإسرائيليون من كل هذا؟ هم بدورهم ليسوا على أحسن حال. وهي نقطة مشتركة تجمعهم باللبنانيين. ها هم يترقبون أيضًا بقلق هذه المفاوضات الإيرانية – الأميركية الّتي استُبعدوا منها أو كادوا يُستَبعدون. وترسم طهران وواشنطن، جنبًا إلى جنب، إطارًا استراتيجيًّا إقليميًّا، بينما تغيب القدس، رغم علاقاتها المميزة مع إدارة ترامب، عن الطاولة. ويتفاوض الحليف الأميركيّ مع طهران من دون أن يضمن لإسرائيل حق الاطلاع على بنود الاتفاق، وهو ما يثير توتّرات تتصاعد تدريجيًّا، وتزداد علنية شيئًا فشيئًا.
ومن سخرية القدر أن يتقاسم اللبنانيون والإسرائيليون، تحديدًا في نقطة التهميش من قبل الكبار هذه، الانزعاج عينه، ومن دون البوح به حتى. إنزعاج دفع حتى رئيس الوزراء الاسرائيليّ بنيامين نتنياهو إلى التصريح هذا الأسبوع، بضرورة تخلّص بلاده من حالة الاعتماد العسكريّ على الولايات المتحدة. ربما تشكل هذه فرصة أمام البلديْن، للإسراع في إيجاد حلول مباشرة بينهما، قبل اكتمال ملامح الصفقة الكبرى الّتي تتشكّل.
يسارع بدوره حزب الله، على نحو متناقض، إلى جني ثمار أخطائه. فقد أُضعف عسكريًّا، إذ يُقال إنّ نحو 10 آلاف من مقاتليه لقوْا حتفهم، غير أنّه استعاد موقعه السياسيّ، لا بل يجرؤ حتى على تبني خطاب انتصاريّ: “قلنا لكم إنّنا سوف ننتصر”. العبارة متداولة. وهي مستفزّة… غير أنّها كاشفة أيضًا. فحزب الله يدرك أنّه موشك على النجاة، وأنّ ذلك، في هذا السياق، يشكّل بحد ذاته فرصة له للتباهي فخرًا.
أمّا اللبنانيون، فهم في حالة ذهول. ذهول من كون الاتفاق الّذي سيحدد تفاصيل حياتهم لعقود من الزمن، يُصاغ بجزئه الكبير بمعزل عنهم. في الواقع، يجد هؤلاء صعوبة، كما نجد نحن، في رؤية الصورة الكاملة بوضوح. لنأخذ مثلًا اتفاق وقف إطلاق النار، أو بالأحرى اتفاقات وقف إطلاق النار المتعددة! السؤال الأول: هل دخلت فعلًا حيّز التنفيذ؟ والسؤال الثاني: ما هي شروطها؟ والسؤال الثالث: على أي وقف إطلاق نار نعوّل؟ أنعوّلُ على ذاك الّذي أعلنه الممثلون الاسرائيليون واللبنانيون؟ أم نعوّل على ذاك المُعلن في مذكرة التفاهم الأميركية – الإيرانية؟ إن كان أحد يملك جوابًا، فليتفضل ويرفع يده.
ولإكمال الصورة وتتويجها، يبرز أيضًا صمت القوى السياسية اللبنانية الكبرى المدوّي؛ بما في ذلك أبرز القوى المناهضة لحزب الله. أين هذه القوى؟ وماذا تفعل؟ هي لا تفعل شيئًا البتة. أو لا تفعل سوى القليل البسيط: إطلاق خطابات لماعة فحسب… بانتظار مرور العاصفة. إذ يبدو أنّ رئيس الجمهورية، وإلى جانبه جزء من حكومته، يخوضان المواجهة وحيديْن في مهب الريح. أمّا الآخرون، فيقبعون في قوارب النجاة، وقد أحكموا ربط ستراتهم.
سوف يقولون بأنّ هذا ليس بجديد. إذ طالما تلقى لبنان ارتدادات القرارات الإقليمية أكثر مما أثّر في اتخاذها. هذا صحيح. إنّما ثمة فرق بين التلقي في جو من الفوضى والتلقي في جو من النظام. وما يجري اليوم ينتمي إلى الفئة الثانية. ويبدو أنّ إيران والولايات المتحدة ترسمان الإطار، بينما تكتفي إسرائيل وإلى جانبها لبنان بتعديل التفاصيل. وفي هذا البازار الدبلوماسيّ الكبير، جلّ ما يفعله اللبنانيون هو التفرّج… على أسوأ ديكور.
إذًا، على الأرجح لا! لا يمكننا إبداء رأينا! ولبنان يراقب مرور القطارات. والقطارات، هذه المرة، لا تتوقّف في محطّته.
يُنسب إلى نائب رئيس أميركيّ سابق، هيوبرت همفري، عبارة شديدة الصلة بواقعنا اليوم: “إن لم تجلس إلى طاولة الطعام، فأنت تردُ حتمًا على قائمة الطعام.”
طالما علمنا بأننا لقمة سائغة! إنّما ليس إلى هذا الحد!

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us