ما بعد صندوق النقد: لماذا قد تكون سلطة الدولة أهمّ إصلاح في لبنان؟!

كتب Ralph Atrach لـ”This is Beirut”:
بعد أسابيع قليلة فقط من دخول قانون إصلاح وضع المصارف حيّز التنفيذ في لبنان، دفعت اعتراضات صندوق النقد الدولي مجلس النواب إلى الشروع في إدخال تعديلات عليه.
وقد أعادت التعديلات المقترحة، التي تتركّز على المادتيْن 3 و13 والمتعلقتيْن بدور مصرف لبنان في عملية إصلاح وضع المصارف، إشعال نقاش أوسع حول ما إذا كان ينبغي للمؤسّسات اللبنانية أو للمقرضين الدوليّين أن يرسموا مسار الإصلاحات المالية في لبنان.
وبحسب وسائل إعلام لبنانية، جاء هذا الجدل بعدما توصّلت الحكومة إلى تسوية مع مصرف لبنان بشأن تعديلات على القانون، قبل أن يرفض صندوق النقد الدولي الصيغة المقترحة.
ومع استعداد لجنة المال والموازنة النيابية لإعادة فتح القانون، يرى اقتصاديّون أن التعافي المالي للبنان يعتمد في نهاية المطاف على استعادة سلطة الدولة، وتعزيز المؤسّسات، وإعادة بناء الثّقة مع الشركاء الأجانب.
وبرأيهم، لا يمكن للإصلاح الاقتصادي أن ينجح ما لم تُعِدْ الدولة اللبنانية فرض احتكارها للسلاح، وتُحسّن الحوكمة، وتُوفّر الظروف السياسية اللازمة للاستثمار والدعم الدولي.
إعادة فتح قانون أصبح نافذًا
عندما طلب صندوق النقد الدولي إدخال تعديلات على قانون إصلاح وضع المصارف، كان مجلس النواب قد أقرّه بالفعل، ووقّعه رئيس الجمهورية، ونُشر في الجريدة الرسمية.
وقال الخبير الاقتصادي اللبناني أنطوان فرح لموقع “This Is Beirut”: “هذا أمر غير اعتيادي من الناحية الإجرائية. فقد اضطرّت الحكومة إلى تقديم تعديلات على قانون دخل حيّز التنفيذ بالفعل.” وأضاف فرح أنه، على الرغم من أن الحكومة قدّمت 28 تعديلًا، فإن معظمها ذو طابع تقني.
وأوضح أن الخلاف الحقيقي يتمحور حول دور مصرف لبنان في عملية إصلاح وضع المصارف، وحقّ المصارف في الطعن بقرارات التصفية أمام القضاء. وأشار إلى أنّ مسألة الطعن القضائي حسّاسة بشكل خاص لأن المجلس الدستوري اللبناني سبق أن كرّس هذا الحق.
وقال: “من الصعب تجاوز قرار المجلس الدستوري. والتحدّي يكمن في إيجاد صيغة تحافظ على حق المراجعة القضائية من دون أن تؤدّي تلقائيًّا إلى تعليق تنفيذ قرارات التصفية.”
من جهته، أوضح منير راشد، كبير الاقتصاديين السّابق في صندوق النقد الدولي ورئيس الجمعية الاقتصادية اللبنانية، أنّ الهدف الأساسي من القانون واضح وبسيط، وهو توفير إطار لإعادة هيكلة المصارف المتعثّرة أو تصفيتها.
وقال راشد: “عنوان القانون بحد ذاته يختصر الهدف. إنّه قانون إصلاح وضع المصارف.”
وأضاف أن صندوق النقد يدعم هذا النوع من التشريعات بشكل عام، لكنّه يعترض على عدد من أحكامه.
وبحسب راشد، فإنّ أحد أبرز اعتراضات الصندوق يتعلّق بحماية المودعين.
وقال: “لطالما اعتبر صندوق النقد أنّ الحماية الكاملة يجب أن تُمنح فقط لصغار المودعين، فيما ينبغي أن تتحمّل الودائع الكبيرة جزءًا من الخسائر عبر آليات مختلفة لإعادة الهيكلة.”
كما يعارض الصندوق تركيز صلاحيّات واسعة للغاية في يد المصرف المركزي.
فبموجب الصيغة الحالية، ستُتخذ العديد من القرارات الأساسية من قبل هيئة خاصة يرأسها حاكم مصرف لبنان. أمّا صندوق النقد، فيفضّل هيكلية حوْكمة يكون فيها للهيئات المستقلة المعنية بإصلاح وضع المصارف دور أكبر.
سلطة الدولة والثقة الدولية
يرى كلّ من أنطوان فرح ومنير راشد أنّ تعافي لبنان المالي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بسلطة الدولة والاستقرار السياسي.
ويعتبر فرح أنّ إعادة بناء الثقة مع الولايات المتحدة والمؤسّسات الدولية تتطلّب إصلاحاتٍ مصرفيّةً، إلى جانب قدرة الدولة اللبنانية على إعادة فرض احتكارها لاستخدام القوة. وبرأيه، فإنّ وضع جميع الأسلحة، بما فيها أسلحة حزب الله، تحت سلطة الدولة أصبح ضرورةً وطنيةً، وليس مجرّد مطلب خارجي.
وقال: “من دون احتكار الدولة لاستخدام القوة، لا يمكن أن تكون هناك دولة فاعلة. ومن دون سيادة كاملة، لا يوجد مسار بديل يمكننا الاعتماد عليه.”
كما شدّد راشد على أهمّية الاستقرار السياسي في معالجة الأزمة الاقتصادية اللبنانية، معتبرًا أنّ الأزمة لا يمكن حلّها من خلال التشريعات أو عبر المزيد من الاقتراض فقط.
وقال: “الحل الحقيقي هو حل سياسي”، مُضيفًا أن الاستثمارات الخاصّة لن تعود إلا عندما يرى المستثمرون دولةً فاعلةً، وحوكمةً فعّالةً، وبيئةً أمنيّةً مستقرّة.
ووفقًا لراشد، فإنّ رؤوس الأموال الأجنبية لن تعود إلى لبنان لمجرّد توقيع برنامج مع صندوق النقد الدولي، بل ستعود فقط عندما يثبت البلد أنّ مؤسّساته قادرة على الحكم بفعّالية والحفاظ على الاستقرار.
وعليه، فإنّ وضع قانون إصلاح وضع المصارف يشكّل جزءًا محوريًا من نقاش أوسع حول ما إذا كان لبنان قادرًا على استعادة سلطة الدولة، وتعزيز الاستقرار السياسي، وإعادة بناء الثّقة الدولية، وتهيئة الظروف اللّازمة لتحقيق تعافٍ اقتصاديٍّ مستدامٍ على المدى الطويل.




