لا حليف كامل ولا خصم: قطر على خطّ التوازن في مواجهة إيران

كتب Mario Chartouni لـ”Ici Beyrouth“:
أصابت شظايا صاروخ إيرانيّ، اعترضته الدفاعات الجوية فوق قطر الأحد الماضي، ثلاثة أشخاص، بينهم طفل. ويجسّد هذا الحادث، الّذي تزامن مع إعادة تفعيل أنظمة الدفاع الجويّ في البحريْن والكويت وعُمان والإمارات العربية المتحدة والأردن، لمواجهة موجة جديدة من الضربات الإيرانية، المأزق الّذي تواجهه الدوحة منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران في الثامن والعشرين من شباط.
ويأتي هذا التصعيد بعد شهر واحد من توقيع مذكّرة تفاهم بين واشنطن وطهران، كان يفترض أن تضع حدًّا للنزاع، فيما يتهم الطرفان بعضهما اليوم بانتهاكها.
بالنسبة إلى قطر، لا تمثّل هذه المرحلة مجرّد تطوّر إقليميّ عابر، بل هي الاختبار الأقسى الّذي يخضع له توازن دبلوماسيّ شُيّد منذ ما يقارب العقدَيْن: إمارة تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، وهي مقر القيادة المركزية الأميركية المتقدم (CENTCOM) في العديْد، في وقت تحافظ فيه على قناة تواصل مميّزة مع طهران، بُنيت عبر إدارة حقل الغاز نورث فيلد-ساوث بارس المشترك، وهو أكبر حقل غازيّ في العالم.
مفارقة ولّدها الحصار
هذا التوازن الدقيق ليس جديدًا. فمنذ عام 1997، حثّ أمير قطر حمد بن خليفة واشنطن على تخفيف سياستها تجاه إيران، على الرغم من استضافة القوات الأميركية. لكنّ الحصار الّذي فرضته السعودية والإمارات والبحرين ومصر عام 2017 هو الّذي رسّخ هذا التقارب.
فقد اتّهمت الدول الأربع الدوحة بتمويل الإرهاب وبالتقرّب من طهران، وطالبتها خصوصًا بقطع علاقاتها العسكرية والسياسية مع إيران. لكنّ طهران فعلت عكس ما كانت الرياض تأمله، فقد أرسلت شحنات يوميّة من المواد الغذائية لتفادي النقص الّذي تسبب به الحصار، وفتحت مجالها الجويّ أمام الخطوط الجوية القطرية. وقفزت الصادرات الإيرانية إلى قطر إثر ذلك من نحو 60 مليون دولار في 2016-2017 إلى 250 مليون دولار في العام التالي.
وكان الأثر نفسيًّا بقدر ما كان تجاريًّا. فقد أظهرت دراسة أجريت عام 2018 أنّ نسبة القطريين الّذين اعتبروا إيران تهديدًا خطيرًا، وقد بلغت نحو 30% قبل الحصار، تراجعت تقريبًا إلى الصفر بعد الأزمة، وفق عالم الاجتماع ماجد الأنصاري من جامعة قطر، الّذي استشهد به “معهد كارنيغي للسلام الدوليّ”، فلم تكن طهران قد شاركت يومًا في حصار الدوحة، خلافًا لجيران قطر الخليجيين.
الحرب الّتي اختبرت كل شيء
وضعت الحرب الّتي اندلعت عام 2026 هذا البناء الدبلوماسيّ أمام اختبار غير مسبوق. فقد أدّت ضربات إلى تعطيل إنتاج الغاز الطبيعيّ المسال في رأس لفان مطلع آذار، قبل أن يتسبّب هجوم أكثر شدّة، في الثامن عشر من آذار، بأضرار بالغة في منشأة “بيرل” لتحويل الغاز إلى سوائل.
وحذّرت “قطر للطاقة” من أنّ إصلاح الوحدات الأكثر تضرّرًا قد يستغرق فترة تصل إلى خمس سنوات، إذ تمثّل وحدتا الإنتاج المتضرّرتان وحدهما نحو 17% من القدرة الإنتاجية الوطنية. كما استُهدِف مطار حمد الدوليّ وقاعدة العديْد، فيما أعلنت شركة الأسمدة القطرية (قافكو)، الّتي تؤمّن عادة نحو 14% من الإمدادات العالمية لليوريا المنقولة بحرًا، حالة القوة القاهرة.
وتحت وطأة هذه الضغوط، أعلنت الدوحة في الرابع والعشرين من آذار أنّها لم تعد تضطلع بدور فاعل في الوساطة بين واشنطن وطهران، مركّزةً على دفاعها الخاص، بحسب المجلس الشرق أوسطيّ للشؤون العالمية، وهو مركز أبحاث اتّخذ مقرًا له في الدوحة. مع ذلك، شاركت الإمارة في رعاية اتفاقَيْ وقف إطلاق النار في غزّة في كانون الثاني وتشرين الأول 2025، وسهّلت الاتصالات الّتي أنهت أول مواجهة إسرائيلية – إيرانية في حزيران من العام عينه.
وساطة معلّقة لا منتهية
اعتبر بعض المعلّقين هذا الإعلان، لا سيّما في الصحافة الإسرائيلية، نهايةً كاملةً لدور الوسيط القطريّ. غير أنّ معطيات لاحقة قدّمت قراءة أكثر توازنًا. فبحسب الجزيرة، واصلت قطر وعُمان، على الرغم من الضربات الّتي تعرّضتا لها، أداء دور محوريّ في المساعي الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة، بعدما حذّرت وزارة الخارجية القطرية من أنّ التصعيد يعرقل جهود الوساطة، من دون أن يضع حدًّا لها.
ويؤكد المجلس الشرق أوسطيّ للشؤون العالمية أن الضربات الإيرانية جعلت ممارسة دور الوسيط الرسميّ متعذّرة، إلّا أنّ قنوات التواصل الّتي تديرها الدوحة مع واشنطن وطهران تبقى قائمة وفاعلة.
ولا تشكّل الحالة القطرية حالةً معزولةً. فبحسب مجلة “فورين بوليسي”، يعرّض الوجود العسكريّ الأميركيّ في الخليج الدول المضيفة لخطر الردود الانتقامية، لكنّه يؤمّن لها في الوقت عينه مظلة حماية، إذ يُقدّر أنّ منظومتَيْ باتريوت وثاد الأميركيتيْن اعترضتا نحو 90% من الذخائر الإيرانية الّتي استهدفت المنطقة. وعلى الرغم من تصاعد التوتّر، من المستبعد أن تقدّم أي دولة خليجية على طرد القوات الأميركية، لأنّ مثل هذه الخطوة ستعني تبنّي منطق الضربات الإيرانية من دون ضمان بديل أمنيّ.
لا قطيعة مع واشنطن ولا قطيعة مع طهران
تبقى قطر، بذلك، أسيرة جغرافيّتها وخياراتها الاستراتيجية. فالتخلّي عن الولايات المتحدة سيحرم الدوحة مظلّتها الأمنيّة من دون أن يُزيل التهديد الإيرانيّ، إذ يستهدف منطق طهران المراكز الاقتصادية الخليجية، بغضّ النّظر عن وجود القوات الأميركية.
أمّا القطيعة مع إيران، من جهة أخرى، فستعرّض استثمار حقل الغاز المشترك، والنموذج الاقتصاديّ القطريّ بأكمله للخطر، لأنّ صادرات الغاز الطبيعيّ المسال، الّتي تمثل نحو 19% من الإمدادات العالمية، تمرّ حصريًّا عبر مضيق هرمز، من دون أي مسار بديل ممكن.
تحوّلت المفارقة التي شكّلت مصدر قوة قطر الدبلوماسية على مدى عقدَيْن، إلى أبرز مكامن هشاشتها اليوم، من دون أن تستطيع التضحية بأي من العلاقتيْن اللتيْن يقوم عليهما هذا التوازن، لحساب الأخرى.
مواضيع ذات صلة :
إيران: حرب المعسكرات في قمّة النظام | إيران توسّع دائرة التصعيد في الخليج… أضرار بمحطة كهرباء في الكويت وإصابة طفل في قطر | إيران تدعو إلى ترشيد استهلاك الكهرباء بعد ضربات أميركية على منشآت الطاقة |




