إيران: حرب المعسكرات في قمّة النظام

ترجمة هنا لبنان 17 تموز, 2026

كتب Bruno Philip لـ”Mondafrique”:

يؤجّج استئناف الأعمال العدائية بين إيران والولايات المتحدة، على خلفيّة مضيق هرمز، الانقسامات داخل نظام فقد بوصلته منذ وفاة علي خامنئي. ففي طهران، تراجع الانقسام التقليديّ بين المحافظين والإصلاحيين، ليحلّ محله صراع أكثر حسمًا بين براغماتيّين يميلون إلى التسوية، ومتشدّدين عازمين على المضيّ في المواجهة حتى النهاية.
وقد أدّى تجدّد الصراع بين إيران والولايات المتحدة، بسبب مسألة السيطرة على مضيق هرمز العالقة، وربّما التي يستحيل حلّها، إلى تعميق الانقسامات العاصفة بالنظام في طهران. وبصورةٍ عامّةٍ، يُختزل المشهد السياسيّ اليوم في مواجهة بين البراغماتيين والمتشدّدين، وهي معادلة سياسية متحرّكة حلّت محل التصنيفات السابقة، والانقسام التقليديّ بين معسكرَيْ “المحافظين” و”الإصلاحيين”.
وفي إيران، قد يُصنَّف المحافظ اليوم ضمن معسكر الواقعيين، كما هي حال محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى، وكبير المفاوضين في المحادثات الأميركية – الإيرانية. وعلى الرغم من أنّ خبراء الشأن الإيرانيّ يضعونه في خانة “الأكثر تشدّدًا بين المتشدّدين”، يجد رئيس بلدية طهران السابق، والمقرّب من “المرشد” الراحل علي خامنئي، نفسه اليوم في مواجهة تيّار أشدّ تطرّفًا منه.
ففي الأسبوع الماضي، قوطعت كلمة متلفزة لهذا القياديّ البارز على نحو مفاجئ، ومن دون أي تفسير، ما أثار موجةً عارمةً من الانتقادات بحقّ مدير هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية. والمفارقة أنّ قاليباف سبق أن تولّى قيادة الشرطة، واشتهر بقبضته الحديديّة، وتورّط حتى النخاع في قمع الحركة الطلابية الدمويّ عام 1999. هذا فضلًا عن أنّه سياسيّ محافظ ومتشدّد، خاض الانتخابات البلدية عام 2023 ضمن صفوف التيار الأصوليّ. وهي سيرة لا توحي بأنّ صاحبها ميّال بطبيعته إلى إبرام تسوية مع “الشيطان الأكبر”. غير أنّ مآخذ المتشدّدين عليه تتمثّل في أنّه أبدى قدرًا كبيرًا من الليونة خلال مفاوضات إسلام آباد، ثم لوسيرن، وهي المفاوضات الّتي أفضت إلى توقيع اتفاق سلام لم يبقَ منه اليوم سوى أشلاء.
أمّا بالنسبة إلى الأكثر تشدّدًا بين المتشدّدين، فمجرّد القبول بتوقيع اتفاق مع واشنطن يُشكّل خيانة. ولم يكن هذا الموقف وليد اللحظة، إذ دأب المتطرّفون منذ مدّة على توجيه التحذيرات إلى أيّ طرف قد يقدّم على توقيع الاتفاق. وحتّى قبل توقيع الرئيس دونالد ترامب الاتفاق في فرساي، بحضور إيمانويل ماكرون، غداة قمّة مجموعة السبع في إيفيان، في الثامن عشر من حزيران، شنّت هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية حملةً شعواء على فريق المفاوضين الإيرانيين، مُطالبة بملاحقتهم قضائيًّا في حال تجرّأوا على التوقيع. بل ذهبت بعض الأصوات إلى حد المطالبة بإعدام الشخصيات المشاركة في المفاوضات.

البراغماتيّون في مرمى المتشدّدين
لا يشكّل قاليباف حالةً معزولةً. فهو لم يكن الوحيد، خلال الأيام الأخيرة، المستهدف من أنصار نهج المواجهة حتى النهاية. وكما أشرنا في هذه الزاوية الأسبوع الماضي، لم ترمِ جنازة علي خامنئي المهيبة، الّتي أُخرجت في قالب مسرحيّ مدروس، إلى تمجيد “وحدة وطنية” متخيّلة فحسب، بل شكّلت أيضًا فرصةً جديدةً للمتشدّدين لإبراز نفوذهم.
فقد تعرّض الرئيس مسعود بزشكيان، وهو معتدل لا يتمتّع سوى بهامش محدود من السلطة، الاثنين، لمضايقات من حشد غاضب خلال موكب التشييع في طهران، فيما كان نعش آية الله يشقّ شوارع العاصمة الرئيسية. وبعد أن كاد مهاجموه يطرحونه أرضًا وهم يهتفون: “الموت للخائن!”، اضطرّ الرئيس إلى مغادرة الموكب على عجل تحت حماية عناصر الأمن.
ولم يكن مصير وزير الخارجية عباس عراقجي أفضل، إذ رشقته مجموعة أخرى من الغاضبين بالحجارة، في اليوم عينه، مطالبةً بإعدامه. ولم يحظَ هذان الحادثان غير المسبوقَيْن، على نحو لافت، سوى باهتمام محدود في وسائل الإعلام الدولية، باستثناء صحيفة “نيويورك تايمز” الّتي كشفت عنهما مستندة إلى مقاطع مصوّرة نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعيّ.
ومهما بدت هذه الهجمات لافتةً، فهي لا تعدو كونها تجسيدًا هامشيًّا لواقع سياسيّ متحرّك، يتنازع فيه أنصار الواقعية الدبلوماسية مع أصحاب الخط المتطرّف الرّافض لأيّ تنازل في مواجهة إدارة ترامب، على إرث “المرشد” الراحل وشرعيّته.
ويزداد هذا الصراع حدّةً بسبب غياب “المرشد” الجديد، مجتبى خامنئي، نجل الزعيم الّذي اغتيل في اليوم الأول من الضربات، في الثامن والعشرين من شباط. فالرجل الأقوى في النظام لم يظهر أمام الجماهير، لا منذ تعيينه في الثامن من آذار، ولا حتى، وهو ما يثير مزيدًا من الاستغراب، خلال تشييع والده، الّذي قُتل في الغارة عينها الّتي من المرجّح أن يكون مجتبى قد أُصيب فيها بجروح بالغة. وبعدما فقد زوجته وابنه في ذلك الهجوم، قد يكون تعرّض لتشوّهات جسدية، وهو ما قد يفسّر اقتصار حضوره على البيانات الصحافية.
مع ذلك، فإنّ كل إشارة صادرة عن “الإمام الغائب” الجديد، وهي مفارقة واقعية تنسجم بسخرية مع التصوّر المهدويّ في المذهب الشيعيّ الاثنيْ عشريّ، تبقى حاسمةً في إقرار أي قرار تتخذه الحكومة أو أعلى هيئات الدولة، أو رفضه، لا سيّما مجلس الأمن القوميّ. وحتّى لو كان آية الله عاجزًا إلى حدٍّ يمنعه من الكلام أو الحركة، سيضطرّ النظام إلى إقناع الرأي العام بأنّ مجتبى قد صادق على المقترحات أو المواقف الصادرة عن السلطات السياسية. وعلى الرغم من أنّ نظام الحكم الإيرانيّ خرج من الإطار الثيوقراطيّ الّذي كان يحكمه قبل اندلاع الحرب، تبقى صورة “مرشد الثورة” الدينيّ المطلق الصلاحيّات ركيزةً لا يمكن الاستغناء عنها.
وبعد توقيع الاتفاق مع الأميركيين، أوضح مجتبى خامنئي معارضته له “من حيث المبدأ”، لكنّه اقتنع في نهاية المطاف بحجج رئيس الجمهورية، بعدما أكد له أنّ المصالح الوطنية الإيرانية “ستبقى مصانة” بموجب مذكرة التفاهم (Memorandum of Understanding – MOU).
غير أنّ الغموض الّذي يُحيط بوضع المرشد الشخصيّ والجسديّ، إلى حدّ تساؤل البعض عمّا إذا كان ليس “غائبًا” فحسب، بل ربما ليس على قيد الحياة، يزيد من حدّة الأزمة. كما أنّ مواقفه تترك هامشًا واسعًا للتأويل، إذ يعارض الاتفاق ويوافق في الوقت عينه على توقيعه، ما يُفضي في نهاية المطاف إلى صراعات حقيقية في أروقة السلطة.
وفي المُحصلة، لا يؤدّي هذا الغموض سوى إلى احتدام التنافس بين المعسكرات المتصارعة.
معسكر الرفض
“ألعن هذا الزمن الّذي اغتيل فيه مرشدنا، ثم ما لبث أن حُكيَ فيه عن سلام مع الولايات المتحدة”. بهذه العبارة عبّر حسن رحيم بور أزغدي، أحد أبرز منظّري التيّار المتشدّد، خلال تجمع في طهران، قبل أن يهتف: “لا مفاوضات، بل انتقام!”
وتُجسّد اللّافتات العملاقة المنتشرة في شوارع مشهد، والمتوعّدة بـ”قتل ترامب”، هذا الصراع الدائر في قمّة السلطة كما في الشارع. أمّا الشتائم، فقد انحدرت إلى مستويات متدنّية. إذ وصف الأسبوع الماضي فؤاد إيزدي، أحد أبرز المحلّلين السياسيين المحافظين، الحكومة وفريق محمد باقر قاليباف بأنّهم “حمقى بلا عقول” وأشخاص “يعيشون في الوهم”.
مع ذلك، حاول آية الله خامنئي، أو أولئك الّذين يدّعون التحدّث باسمه في الآونة الأخيرة، تهدئة هذه التوتّرات عبر الاستمرار في إصدار بيانات ملتبسة الصياغة. غير أنّ هذه التدخّلات لم تؤدِّ، على ما يبدو، سوى إلى زيادة الاحتقان بين المعسكرات المُتصارعة. فقد كرّر أنصار الخطّ المتشدّد بأنّهم لن يقدموا أي تنازل لدعاة الاعتدال إلا إذا ظهر المرشد الأعلى، أو أعلن عدم موافقته على نهجهم. وبما أنّه لم يفعل هذا ولا ذاك، بقي الوضع في حالة جمود.
وهكذا، يكون موت علي خامنئي هو ما أدّى إلى الفراغ الّذي تسبّب بهذه المواجهة. فالمعسكر المحافظ يعيش اليوم انقسامًا داخليًّا حادًّا. ويرى البراغماتيّون أنّ بقاء البلاد يعتمد على إنهاء الأعمال العدائية وإعادة بناء الاقتصاد، فيما يرفض خصومهم أي تسوية في الملف النوويّ، ويؤكدون أنّ إيران قادرة على كسب الحرب، وربّما عزز هذا الاعتقاد اعتبار “مذكّرة التفاهم” اتفاقًا يصب في مصلحة طهران إلى حدٍّ كبير. وكما قيل مرارًا: خسر ترامب الحرب لأنّه لم ينتصر فيها.
وبحسب مصادر إيرانية رفيعة المستوى نقلت عنها الصحافية الإيرانية – الأميركية فرناز فصيحي في صحيفة “نيويورك تايمز”، وهي الّتي تنشر بصورة شبه أسبوعية معلومات مستمدّة من قلب النظام، أظهر توقيع الاتفاق أنّ معسكر البراغماتيّين هو المنتصر. ولكن مع استئناف الأعمال العدائية والاستفزازات الإيرانية المتكرّرة في مضيق هرمز، ربما تبدّلت موازين القوى من جديد. مع ذلك، لا يمثّل المعسكر الأكثر تشدّدًا سوى أقلّية صغيرة، لكنّها ناشطة بما يكفي لجعل أي تنازل يُقدَّم على أعلى مستوى خلال المفاوضات، عرضةً للتنديد بوصفه “تسوية غير مقبولة” مع الولايات المتحدة، وهي تهمة لا يستطيع أي مسؤول إيرانيّ تحمّلها.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us