لبنان والولايات المتحدة: من إعادة الإعمار إلى تحدّي السيادة

ترجمة هنا لبنان 21 تموز, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth“:

بعد أحداث السابع من أيار 2008، الّتي كرّست تحولًا جديدًا في موازين القوى الداخلية لمصلحة حزب الله، دخلت العلاقة بين بيروت وواشنطن مرحلةً جديدةً. فقد تخلّت الولايات المتحدة عن فكرة إمكان تغيير التوازنات اللبنانية بشكل سريع، وبدأت في مواءمة سياستها، تدريجيًّا، مع واقع يفرضه تصاعد نفوذ حزب الله، وثقله المتزايد في داخل المشهد السياسيّ اللبنانيّ.

مع ذلك، لم تنسحب واشنطن من لبنان، بل انتقل تركيزها من دعم تحالف سياسيّ محدّد إلى الحفاظ على مؤسسات الدولة، لا سيّما الجيش اللبنانيّ، الّذي اعتبرته المؤسسة الوطنية الأبرز، القادرة على تجسيد سلطة الدولة والحفاظ على مفهوم الأمن الوطنيّ.

وفي حديث إلى موقع “Ici Beyrouth”، يرى السفير الأميركيّ السابق ديفيد هيل أنّ هذا التحوّل شكّل نقطة انفصال عن العقود السابقة. فبحسبه، تهدف الاستراتيجية الأميركية بصورة أكبر إلى معالجة أسباب عدم الاستقرار البنيوية، وفي مقدّمتها وجود قوى مسلحة من خارج الدولة، والنفوذ الإيرانيّ، وغياب احتكار الدولة للقرار الأمنيّ.

الجيش اللبنانيّ في صلب الاستراتيجية الأميركية

بعد الحرب بين إسرائيل وحزب الله عام 2006، اعتبرت واشنطن أنّ تعزيز قدرات القوات المسلحة اللبنانية يشكّل شرطًا أساسيًّا لتمكين الدولة من استعادة السيطرة تدريجيًّا على أراضيها.

واستمر الدعم الأميركيّ بعد عام 2008 عبر تقديم المعدات، وبرامج التدريب، والمساندة المؤسساتية. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، يهدف دعم الجيش إلى تعزيز مؤسسة وطنية يمكن أن تصبح، على المدى الطويل، الجهة الوحيدة الّتي تضمن أمن البلاد.

لكنّ هيل يؤكد أنّه من غير الواقعيّ توقّع قيام الجيش اللبنانيّ بنزع سلاح حزب الله مباشرة بالقوة. فالمقاربة الأميركية تقوم بدلًا من ذلك على إضعاف قدرات الحزب تدريجيًّا من خلال مزيج من الضغوط السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، والمالية، بهدف تهيئة الظروف الّتي تسمح للبنان باستعادة سلطته السيادية بشكل تدريجيّ.

عهد أوباما وتصاعد النفوذ الإيرانيّ

مع وصول باراك أوباما إلى البيت الأبيض عام 2009، اتجهت السياسة الأميركية نحو اعتماد مقاربةٍ أكثر انفتاحًا على الحوار مع القوى الإقليمية، لا سيّما إيران. وبلغ هذا المسار ذروته مع توقيع الاتفاق النوويّ الإيرانيّ عام 2015.

ويرى الصحافيّ والمحلل السياسيّ مروان الأمين أنّ هذه السياسة أتاحت لطهران تعزيز نفوذها في العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، ما أدّى إلى تصاعد التوترات مع دول الخليج.

وفي لبنان، تعزّز موقع حزب الله ليصبح الأخير لاعبًا أساسيًّا لا يمكن تجاوزه في النظام السياسيّ. مع ذلك، حافظت واشنطن على دعمها لمؤسسات الدولة اللبنانية، لا سيّما الجيش، بالتوازي مع مواصلة سياسة العقوبات ضد حزب الله وشبكاته المالية.

ويعتبر هيل أنّ هذه المرحلة أعادت تشكيل التوازن الإقليميّ لمصلحة إيران وحلفائها، موضحًا أنّ الاتفاق النوويّ تسبّب، بحسب رأيه، في انعكاسات جيوسياسية تجاوزت بكثير حدود الملف النوويّ وحده.

عودة الضغط على إيران وحزب الله

شكّل وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2017 تحولًا أساسيًّا في مسار السياسة الأميركية تجاه إيران والمنطقة. فقد اعتمدت الولايات المتحدة سياسة “الضغط الأقصى” ضد طهران، وانسحبت من الاتفاق النوويّ عام 2018، وعزّزت العقوبات الّتي تستهدف إيران وحلفاءها الإقليميين.

وفي لبنان، انعكست هذه السياسة عبر تشديد الضغوط على حزب الله وشبكاته المالية، على الرغم من تزامنها مع أزمة 2019 الاقتصادية الحادة.

وبحسب هيل، ينبغي مواصلة هذا النهج بهدف إضعاف قدرات حزب الله بشكل تدريجيّ، غير أنّ القضية اللبنانية تبقى، في نظره، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بموازين القوى الإقليمية بين واشنطن وطهران.

الإصلاحات الاقتصادية والدبلوماسية البحرية

منذ عام 2019، دفع الانهيار الماليّ لبنان إلى صدارة أولويات السياسة الأميركية، مع تركيز واشنطن على الإصلاحات الاقتصادية، باعتبارها مدخلًا أساسيًّا لمعالجة الأزمة. فقد دعمت برنامجًا مع صندوق النقد الدوليّ، وطالبت بإصلاحات هيكلية تشمل القطاع المصرفيّ، والمالية العامة، ونظام الحوكمة.

وفي الوقت عينه، أدّت الولايات المتحدة دورًا محوريًّا في اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، الّذي أُبرم في تشرين الأول 2022 بوساطة آموس هوكستين.

ويرى هيل أنّ هذا الاتفاق يثبت أنّ آليات التعاون غير المباشر تبقى ممكنةً عندما تتلاقى مصالح الأطراف المختلفة.

7 تشرين الأول 2023 وتحوّل المواجهة إلى مسار إقليميّ

بعد هجوم حماس على إسرائيل واندلاع الحرب في غزّة، فتح حزب الله جبهة من جنوب لبنان. وبدأت المواجهات بشكل محدود، قبل أن تتطور تدريجيًّا إلى مواجهة أكثر اتساعًا.

وأمام خطر انزلاق المنطقة إلى تصعيد شامل، عزّزت واشنطن وجودها العسكريّ في شرق البحر المتوسط، وكثّفت جهودها الدبلوماسية لمنع توسّع النزاع.

ويعتبر الأمين أنّ هذه المرحلة تعكس أيضًا تحولًا في الاستراتيجية الإسرائيلية، الّتي باتت أكثر ميلًا إلى القضاء على التهديدات بدل الاكتفاء بإدارتها.

من جهته، يرى هيل أنّ هذه التطورات أعادت تشكيل النقاش السياسيّ في لبنان بصورة عميقة. فملفات اعتُبرت سابقًا من المحظورات، مثل نزع سلاح حزب الله أو احتمال التوصل إلى اتفاق سلام مع إسرائيل، أصبحت اليوم مطروحةً للنقاش العلنيّ.

جوزاف عون والرهان الأميركيّ الجديد

يشكّل انتخاب جوزاف عون رئيسًا للجمهورية في كانون الثاني 2025 بداية فصل جديد في العلاقات بين لبنان والولايات المتحدة.

فمسيرته كقائد للجيش اللبنانيّ، والعلاقات الوثيقة الّتي بناها مع الجانب الأميركيّ، تمنحه رصيدًا خاصًّا لدى المسؤولين الأميركيين.

وقد حظيَ انتخابه، وفق الأمين، بدعم مهم من واشنطن وبعض الدول العربية، لا سيّما المملكة العربية السعودية ومصر.

ويؤكد هيل أنّ زيارة عون إلى واشنطن لا تمثل بداية علاقة جديدة، بل تتويجًا لمسار قائم منذ فترة. وتنتظر الولايات المتحدة التزامات عملية تتعلق بتوسيع سلطة الدولة، وتنفيذ التفاهمات الأمنية، وتعزيز قدرات الجيش اللبنانيّ.

“المناطق التجريبية” وعودة الدولة التدريجية

تُعتبر إقامة “المناطق التجريبية” واحدةً من أبرز عناصر المقاربة الأميركية الجديدة.

وتقوم هذه الآلية، بحسب هيل، على تحييد بنى حزب الله التحتية العسكرية في منطقة محددة، ثم انسحاب القوات الإسرائيلية بشكل تدريجيّ، قبل أن يتولى الجيش اللبنانيّ بسط سيطرته على المنطقة بدعم من آلية تنسيق تضم الولايات المتحدة، وإسرائيل، ولبنان.

والهدف سياسيّ أيضًا، إذ يتمثل في ترسيخ قناعة لدى سكان جنوب لبنان، والبقاع، وضاحية بيروت الجنوبية بوجود بديل تمثّله الدولة، ويتمتع بالمصداقية.

واشنطن ومستقبل لبنان

ستتناول زيارة عون إلى واشنطن عددًا من الملفات الأساسية، من بينها الترتيبات الأمنية في مرحلة ما بعد الحرب، والانسحاب الإسرائيليّ، وتعزيز الجيش، وإعادة الإعمار، والإصلاحات الاقتصادية، ومستقبل حزب الله.

ويعتبر هيل أنّ الوضع الحاليّ يختلف عن الوضع في العقود السابقة بسبب تلاقي ثلاثة عوامل جديدة: استراتيجية أميركية أكثر وضوحًا، وإرادة سياسية لبنانية متجددة، وآليات تعاون أكثر تحديدًا وفاعلية.

وبعد أكثر من قرن ونصف من العلاقات، تعاقبت خلالها مراحل النفوذ الثقافيّ، والانخراط الدبلوماسيّ، والتدخلات العسكرية، ودعم مؤسسات الدولة، تعود الشراكة اللبنانية – الأميركية في نهاية المطاف إلى سؤال جوهريّ: هل لا تزال الولايات المتحدة قادرة على الإسهام في قيام دولة لبنانية كاملة السيادة؟

ويرى السفير السابق أنّ الإجابة عن هذا السؤال تعتمد، قبل كل شيء، على اللبنانيين. إذ بإمكان الولايات المتحدة مرافقة هذا المسار ودعمه، غير أنّها عاجزة عن أخذ مكان القوى اللبنانية. ويكمن دورها اليوم في مساندة مسار يسمح للبنان بالخروج من دائرة الحروب، والأزمات، والتسويات المؤقتة الّتي طبعت تاريخه الحديث.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us