لبنان: إعادة بناء وطن… وتعزيز السلام؟

ترجمة هنا لبنان 23 تموز, 2026

كتبت Maribelle Waked “Ici Beyrouth”:

عندما تضع الحروب أوزارها، غالبًا ما تكون إعادة الإعمار الخطوة الأولى نحو استعادة الحياة الطبيعية. فالمطلوب ترميم المساكن، وإصلاح البنى التحتية، وتمكين السكّان النازحين من العودة إلى حياتهم اليومية. وفي لبنان، تمثّل هذه المرحلة تحدّيًا بالغًا بعد سنوات من الأزمات الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية.
لكنّ السؤال المطروح أوسع: هل يمكن أن تسهم إعادة الإعمار في تهيئة الظروف اللّازمة لإرساء سلام مستدام؟
وفق تقييمٍ أصدره البنك الدوليّ في آذار 2025، سيحتاج لبنان إلى نحو 11 مليار دولار لتمويل جهود التعافي وإعادة الإعمار بعد نزاع 2023-2024. وتُقدَّر كلفة النزاع الاقتصادية الإجمالية بنحو 14 مليار دولار، منها 6.8 مليارات دولار أضرار مادية، و7.2 مليارات دولار خسائر ناجمة عن تراجع النشاط الاقتصاديّ. وهي أرقام هائلة، لكنّها لم تعد تعكس الواقع بعد أن تجاوزتها الأحداث؛ إذ تتعلّق هذه التقديرات بنزاع 2023-2024، فيما اندلعت حرب جديدة بين لبنان وإسرائيل عام 2026، ويجري حاليًّا إعداد تقرير جديد لتقييم الأضرار.
وتُظهر هذه الأرقام أنّ التحدّي لا يقتصر على إعادة بناء المباني المُدمّرة، بل يشمل أيضًا تمكين البلاد من استعادة استقرارها الاقتصاديّ والمؤسّساتيّ، وهما ركيزتان لا غنى عنهما في أي مرحلة من مراحل ما بعد الحرب.
بلد يُعيد بناء نفسه بعد أزمات متلاحقة
لا يدخل لبنان مرحلة إعادة الإعمار من موقع الاستقرار.
فحتّى ما قبل النزاع الأخير، رزح البلد منذ عام 2019 تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة. ويُقدّر البنك الدولي أنّ الناتج المحليّ الإجماليّ الحقيقيّ للبنان انخفض بنحو 40% بين عام 2019 ونهاية عام 2024. وقد فاقمت الحرب هذه الأزمة، مع انكماش اقتصاديّ إضافيّ، قُدِّر بنحو 7.1% في عام 2024.
وإلى جانب هذه الأزمة، جاء انفجار مرفأ بيروت في آب 2020، فضلًا عن التراجع المستمر في أداء الخدمات العامة. كما أثّرت الأزمة المالية الّتي تعانيها الدولة في عددٍ من القطاعات الحيوية، لا سيّما الكهرباء، والصحة، والتعليم.
وفي هذا السياق، لن يكفي ترميم البنى التحتية وحده. فقد يُعاد ترميم مدرسة، أو مستشفى، أو طريق، لكنّ استمرار عملها يبقى رهينًا بوجود مؤسّسات قادرة على إدارتها وصيانتها على المدى الطويل.
دمار يطال مختلف قطاعات الاقتصاد
تتجاوز أضرار النزاع المناطق الّتي تعرضت للتدمير المباشر.
ووفق تقييم البنك الدوليّ، يُعتبر قطاع الإسكان الأكثر تضرّرًا، إذ بلغت قيمة الأضرار فيه نحو 4.6 مليارات دولار. كما تكبّد كل من قطاعَيْ التجارة والصناعة، إلى جانب قطاع السياحة، خسائر كبيرة تُقدَّر بنحو 3.4 مليارات دولار.
ولم تسلم البنى التحتيّة العامّة من الأضرار، إذ تشمل القطاعات الّتي تحتاج إلى استثمارات كبيرة شبكات المياه والكهرباء، وقطاع النقل، والمؤسّسات التعليمية، والمنشآت الصحّية. كما تأثر القطاع الزراعيّ، الّذي يُشكّل ركيزةً أساسيةً في بعض المناطق المتضرّرة، بشكل كبير جرّاء النزاع. ووفق وزارة الزراعة اللبنانية، تضرّر نحو 22.5% من الأراضي الزراعية الواقعة في مناطق النزاع بشكل مباشر، فيما طالت الأضرار أكثر من 10 آلاف مزرعة، ما هدّد مصادر رزق آلاف الأُسَر الرّيفية. كما تعرّضت شبكات الري، والبيوت البلاستيكية، وعدد من منشآت الإنتاج لأضرار جسيمة.
من هنا، لن تقتصر إعادة الإعمار على بُعدها الاقتصاديّ، بل ستؤدي أيضًا دورًا اجتماعيًّا. فعودة السكان إلى المناطق المتضرّرة لن تعتمد على ترميم المساكن فحسب، بل أيضًا على استعادة الخدمات الأساسيّة واستئناف الأنشطة الاقتصادية.
إدارة التمويل… عنصر حاسم
ستشكّل قدرة لبنان على استقطاب التمويل اللّازم لإعادة الإعمار وإدارته واحدة من أبرز اختبارات هذه المرحلة.
ووفق البنك الدوليّ، ينبغي تمويل ما بين 3 و5 مليارات دولار من احتياجات إعادة الإعمار عبر القطاع العام، فيما يُفترض أن يأتي ما بين 6 و8 مليارات دولار من القطاع الخاص، لا سيّما في قطاعات الإسكان، والتجارة، والصناعة، والسياحة.
غير أنّ الشركاء الدوليين يؤكدون أنّ المساعدات المالية وحدها لن تضمن إعادة إعمار مستدامة. فبعد انفجار مرفأ بيروت عام 2020، أطلق البنك الدوليّ، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبيّ “إطار الإصلاح، والتعافي، وإعادة الإعمار” (3RF)، الّذي يجمع بين إعادة الإعمار، والشفافية، والإصلاحات المؤسسية.
ويشدّد صندوق النقد الدوليّ، بدوره، على ضرورة تنفيذ إصلاحات اقتصادية، لا سيّما في القطاع المصرفيّ، والمالية العامة، والحوكمة. ويرى الأخير أنّ هذه الإصلاحات لا غنى عنها لاستعادة الثقة، وتأمين دعم دوليّ مستدام.
دروس الماضي
يُظهر التاريخ اللبنانيّ الحديث أنّ إعادة الإعمار لا تضمن تلقائيًّا استقرارًا مستدامًا.
فبعد الحرب الأهلية، أتاحت مشاريع إعادة الإعمار الكبرى في تسعينيّات القرن الماضي تحديث أجزاء من البلاد، لا سيّما وسط بيروت. غير أنّ تلك الجهود لم تمنع عودة الأزمات السياسية والاقتصادية.
وتكرّرت الصورة عينها بعد انفجار مرفأ بيروت. فعلى الرّغم من التعبئة الدولية الواسعة، حدّت التعقيدات السياسية، وغياب الإصلاحات، من فعّالية جهود إعادة الإعمار.
وتؤكد هذه التجارب المتعاقبة أنّ السلام المستدام لا يقوم على إعادة تأهيل البنى التحتية فحسب، بل يعتمد أيضًا على قدرة الدولة على العمل بكفاءة، وتلبية احتياجات سكانها، وضمان الاستقرار السياسيّ.
إعادة الإعمار لترسيخ السلام
لن تتمكن إعادة الإعمار، بمفردها، من حلّ القضايا السياسية والأمنية القائمة بين لبنان وإسرائيل. كما سيظلّ الاستقرار على المدى الطويل مرهونًا بالقرارات السياسية، واحترام الاتفاقات المبرمة، والقدرة على تجنّب أي تصعيد جديد.
مع ذلك، يمكن أن تسهم إعادة الإعمار في تهيئة بيئة أكثر ملاءمة لسلام مستدام. فعودة السكان النازحين، وتعافي النشاط الاقتصاديّ، واستعادة الخدمات العامة، كلها عوامل من شأنها الحد من تداعيات النزاع الاجتماعية، وتعزيز الاستقرار في المناطق المتضررة.
وبالنسبة إلى لبنان، لن تكون إعادة الإعمار مجرد ورشة مادية، بل ستشكّل اختبارًا لقدرة البلاد على تحويل مرحلة الصراع إلى خطوة نحو مزيد من الاستقرار. وإذا اقترنت بإصلاحات وبحوكمة أفضل، فقد تصبح واحدة من العناصر الكفيلة، هذه المرة، بترسيخ السلام على نحو مستدام.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us