الرئيس عون: “نحن وطن يتنفس السلام”… ونحرص على عدم زجّ لبنان في مغامرات انتحارية!

أكد رئيس الجمهورية جوزاف عون، خلال استقباله أعضاء السلك الدبلوماسي اليوم في قصر بعبدا، بمناسبة رأس السنة الميلادية 2026، “أننا نحترم توقيعنا على اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 وهو تفاهم دولي والأهم، حرصًا منا على مصلحة لبنان، وعلى عدم زجّه في مغامرات انتحارية، دفعنا ثمنها سابقًا الكثير الكثير. وإذ نعلن ذلك بافتخار، نؤكد تطلعنا إلى استمرار هذا المسار في السنة الثانية من رئاستي. لتعود أرضنا كاملة تحت سلطة دولتنا وحدها. ويعود أسرانا جميعًا. ونعيد بناء كل ما تهدم، نتيجة المغامرات. وليكون جنوب لبنان، كما كل حدودنا الدولية، في عهدة قوانا المسلحة حصرًا. ولنوقف نهائيًا أي استدراج أو انزلاق في صراعات الآخرين على أرضنا. فيما الآخرون، كل الآخرين بلا استثناء، يتحاورون ويتفاوضون ويساومون من أجل مصالح دولهم”.
وجاء في الكلمة الكاملة:
“صاحب السعادة، القاصد الرسولي، المونسنيور باولو بورجيا، عميد السلك الدبلوماسي،
أصحاب السعادة، ممثلي البعثات الدبلوماسية والمنظّمات الدولية المعتمدة في لبنان،
إنه تقليد راق ومعبّر حيال جوهر العلاقات الدولية وأهدافها الإنسانية، أن نلتقي مطلع كل عام. فنتبادل التمنيات بأيام أفضل لشعوبنا وعالمنا. وتكون مناسبة لنؤكد جميعًا انتماءنا إلى قرية كونية واحدة متضامنة. يصيبنا كلنا ما يصيب بعضها.
وبناء على هذا الجوهر الإنساني للسياسة والدبلوماسية، أتوجه بالشكر الصادق، لأشخاصكم، ولبلدانكم وسلطاتكم وشعوبكم، على وجودكم هنا الآن. لا في مناسبة بروتوكولية، بل اعترافًا من العالم بلبنان، وطنًا ودولةً ورسالةً ودورًا وضرورةً، لمنطقته وللعالم.
وإذ أخص بالشكر صاحب السعادة القاصد الرسولي، على الكلمات المعبرة التي تفضلّ بها، باسمكم، كما نيابة عن زملائكم أعضاء السلك الدبلوماسي، لا يمكنني إلا أن أكرّر عبركم، شكري وشكر كل شعبي، لقداسة البابا لاوون الرابع عشر، على زيارته الاستثنائية للبنان، والتي كانت فعلًا، نافذة مفتوحة من السماء وعليها، لأيام ثلاثة من المحبة والإيمان والرجاء.
غير أنّ مصادفات التاريخ أرادت أن تضيف بُعدًا آخر لمناسبتنا هذه. ألا وهو تزامنها القريب مع مضي عام أول على ولايتي الرئاسية، وبداية عامها الثاني. لذا أود أن أستعرض معكم سريعًا، وقائع سنة مضت، بخفاياها ومخاضاتها.
أصحاب السعادة، قبل سنة وعشرة أيام، تسلّمت دولةً مثخنةً. ومع التأكيد المسبق، بأنني لست من هواة رمي المسؤوليات على مفاهيم غامضة، مثل “تركة ثقيلة” أو “تراكمات متعاقبة”. ولا أنا من الذين يتنصّلون من واجب، عبر تحميله لغائب أو غيب أو مجهول.
لكننا موضوعيًا، تسلّمنا دولة خارجة من عشرين سنة من الفراغات، بفعل التطورات والأحداث الهائلة التي شهدناها، منذ استقلالنا الثاني، سنة 2005.
فلمجرّد التذكير، عرف لبنان منذ ذلك الحين، 62 شهرًا وبضعة أيام، من الشغور الرئاسي. يضاف إليها نحو 45 شهرًا من الشغور الحكومي المتراكم . فضلاً عن نحو 60 شهرًا من التمديد النيابي… كل هذا خلال 20 عامًا.
فضلًا عن أن لبنان عاش إبان الفترة نفسها، حربين شاملتين، وسلسلة اضطرابات داخلية كبرى، بالإضافة الى أزمات المحيط المستمرة، من فصول عاصفة لا ربيع حقيقيًا فيها… يمكنكم أن تتخيلوا، أي حال لأي دولة تسلمتُ قبل سنة.
ومنذ اللحظة الأولى، بادرت إلى تحمل المسؤولية وأدائها، رغم كل شيء. وصدقوني حين أقول، رغم كل شيء.
داخليًا، وضعت لنفسي هدفًا أول مرحليًا، هو ضمان الاستقرار الوطني، والتحضير لعودة لبنان وعودة نهوضه الشامل. وذلك على أربعة مستويات: السيادة والأمن، إعادة تكوين إدارات الدولة، الإصلاحات العامة وخصوصًا الاقتصادية والمالية والنقدية منها، واحترام الاستحقاقات الديمقراطية المتعلقة بإعادة تكوين السلطات الشرعية.
في العنوان الأول، أوكد لكم أننا أنجزنا الكثير. وذلك بالتعاون مع حكومة الدكتور نواف سلام. ومع رئيس المجلس النيابي نبيه بري. كما مع القوى السياسية كافة. فليس تفصيلًا ما قررته حكومتنا ما بين 5 آب و5 أيلول الماضيين، من خطة لحصر السلاح وبسط سلطة الدولة على أراضيها بقواها الذاتية حصرًا.
ودعوني أقول لكم بصراحة، أننا في هذا المجال، حققنا ما لم يعرفه لبنان منذ 40 عامًا.
فبمعزل عن حملات التشويش والتشويه والتهويل والتضليل، ورغم عدم التزام اسرائيل بإعلان وقف الأعمال العدائية، وبإمكانات معروفة لقوانا المسلحة، وفي طليعتها الجيش اللبناني، أستطيع أن أقول لكم، أن الحقيقة هي ما ترون، لا ما تسمعون. وما رأيناه بكل عيوننا، هو أن رصاصةً واحدةً لم تُطلق من لبنان خلال سنة من رئاستي. باستثناء حادثتين فرديتين سُجلتا في آذار الماضي. ولم تلبث سلطاتنا الرسمية أن ألقت القبض على المتورطين فيهما. وهو ما يؤكد منذ أكثر من عشرة أشهر، أن الجيش اللبناني والقوى المسلحة اللبنانية، باتت تسيطر وحدها على جنوب الليطاني عملانيًا. وقد تولت مهام هائلة لجهة تنظيف مناطق شاسعة من أي سلاح غير شرعي، من أي نوع أو تبعية كان. وقد أنجزنا ذلك، رغم كل الاستفزازات. ورغم استمرار الاعتداءات. ورغم التشكيك والتخوين والتجريح والتجني. مما كنا -وسنظل- نتلقاه ببسمة الواثق من صلابة حقه، وحتمية أداء واجبه، والإيمان بنجاح عمله.
وقد حققنا ذلك، التزامًا منا باتفاق 27 تشرين الثاني 2024، الذي أقر بإجماع القوى المعنيّة، قبل رئاستي. وهو اتفاق دولي نحترم توقيعنا عليه. والأهم، حرصًا منا على مصلحة لبنان، وعلى عدم زجّه في مغامرات انتحارية، دفعنا ثمنها سابقًا الكثير الكثير. وإذ نعلن ذلك بافتخار، نؤكد تطلعنا إلى استمرار هذا المسار في السنة الثانية من رئاستي. لتعود أرضنا كاملة تحت سلطة دولتنا وحدها. ويعود أسرانا جميعًا. ونعيد بناء كل ما تهدم، نتيجة الاعتداءات والمغامرات. وليكون جنوب لبنان، كما كل حدودنا الدولية، في عهدة قوانا المسلحة حصرًا. ولنوقف نهائيًا أي استدراج أو أي انزلاق في صراعات الآخرين على أرضنا. فيما الآخرون، كل الآخرين بلا استثناء، يتحاورون ويتفاوضون ويساومون من أجل مصالح دولهم.
وفي هذا السياق، يسعدني أن نلتقي اليوم، وقد تقرر نهائيًا موعد انعقاد المؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي. وذلك بمسعى مشكور ومقدّر من الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية وفرنسا وقطر ومصر، ضمن إطار اللجنة الخماسية. وبترحيب من عدد كبير من الدول الصديقة للبنان، التي نتطلع إلى لقائها في باريس، في 5 آذار المقبل، برعاية كريمة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.
أما في عنوان إعادة بناء الدولة، فلا وقت كافيًا لنا للتعداد. يكفي أن أذكّر بصدور 2240 مرسومًا خلال أقل من سنة من عمر حكومتنا، أعادت تكوين القسم الغالب من إدارات الدولة وأسلاكها الأساسية. في العسكر والأمن والدبلوماسية والقضاء والمال والنقد ومختلف إداراتنا العامة. وهو ما سيتم استكماله هذه السنة بالتأكيد. ودائمًا على قاعدة الكفاءة والنزاهة، ضمن الممكن من طاقاتنا اللبنانية، التي نشجعها بصدق وعمق، على أن تعود إلى الدولة، لتعيد الدولة إلى فاعليتها وإنتاجيتها.
يبقى عنوان الإصلاحات. وهو ما تقدمنا فيه خطوات جبارة. يكفي أن أذكر إقرار قانون استقلالية القضاء. وهو المشروع المنشود منذ عقود طويلة. ثم تكوين الهيئات الناظمة لقطاعات، وُضعت أنظمة بعضها قبل ربع قرن، وتُركت شاغرة. مما ترك هوامش الفساد والهدر والزبائنيات السياسية. وصولًا إلى الإصلاحات المالية والمصرفية. التي توجناها بسلسلة مشاريع قوانين لمعالجة تداعيات انهيار 2019. وهو ما تُرك طيلة ستة أعوام، من دون أي مواجهة جدّية. مما أدى إلى تآكل الكثير من قدرات التعويض والاستنهاض. وهو ما لن نسمح باستمراره.
وقد أنجزنا هذه الإصلاحات، في ظل تحسن اقتصادي مطرد. فها هي أرقام المؤسسات الدولية تتحدث عن نمو سجله لبنان لسنة 2025، قد يكون من أعلى معدلات المنطقة. وعن ناتج وطني حقق قفزةً كبيرةً. وعن تدفقات مالية إلى لبنان، عادت لتلامس فورة ما قبل 15 سنة… ومرة جديدة، ولأن الحقيقة هي ما ترون، لقد رأينا جميعًا لبنان يفيض بأهله وضيوفه طيلة الصيف ومواسم المهرجانات والأعياد. رغم كل ما يحيط ببلدنا من أوضاع غير مستقرة.
وأختم بعنوان إعادة تكوين السلطات الشرعية. إذ أجرينا الانتخابات البلدية والاختيارية، للمرة الأولى بعد تسعة أعوام على آخر استحقاق لها. ولم يكن قد مضى على تسلّم حكومتنا صلاحياتها الدستورية، أكثر من ثلاثة أشهر. وهو ما سنكرره مع الانتخابات النيابية منتصف هذه السنة. رغم كل الكلام والحملات المغايرة.
أما على المستوى الخارجي، فلقد كان هدفي واضحًا معلنًا: أن أعيد لبنان إلى مكانه وموقعه الطبيعيين، ضمن الشرعية العربية، كما الشرعية الدولية والأممية. وهذا ما دأبت على نسجه خطوة خطوة. عبر عشر زيارات لدول عربية شقيقة. وأربع لأخرى أوروبية صديقة. ومشاركة في ثلاث مناسبات دولية، عربية وإسلامية وأممية.
كما استقبلنا رؤساء دول صديقة، وعشرات الوفود الدولية. وكانت ذروة هذا التضامن البهي الجلي مع لبنان، مع زيارة قداسة البابا لاوون الرابع عشر.
وإن ننسى، لن ننسى أبدًا، حين وقف قداسته ههنا، عشية 30 تشرين الثاني الماضي، ليقول لكل لبنان الملتئم حوله، ولكل العالم المنصت إلى كلامه، وبصوت إيمانه الثابت العميق: “أنتم شعب لا يستسلم. بل يقف أمام الصّعاب ويعرف دائمًا أن يُولَد من جديد بشجاعة. صمودكم هو علامة مميّزة لا يمكن الاستغناء عنها لفاعلي السّلام الحقيقيّين”.
كلام اكتسب مع رسالة قداسته الأخيرة مطلع هذه السنة، بُعدًا أكبر لقضية لبنان ونضالنا نحن بالذات. إذ أكد قداسته أن السلام المطلوب لعالمنا اليوم، هو “سلام مجرّد من السلاح”. داعيًا كل الدول والمسؤولين، إلى أن “ينزعوا السّلاح من القلب والعقل والحياة”.
وضمن التفكير الإنساني نفسه، وخلال المحطات الخارجية لزياراتي هذه السنة كافة، كانت رسالتي واحدة: لبنان وطنٌ منذور للسلام. فلا جغرافيته، ولا شعبه، ولا طبيعته، ولا فرادته، ولا أي شيء من مكوّناته، يوحي بأنه بلد حروب وتهورات. نحن وطن يتنفس السلام. وإن لا يعرف الاستسلام. ولأننا كذلك، ندرك أن السلام الثابت والدائم، هو سلام العدالة. والعدالة تعني إيفاء الحقوق وتبادلها. وأول حق إنساني واجب الوجود، هو الحق في الحياة الحرة الآمنة والكريمة. وهذا ما نريده لوطننا، من جنوبنا إلى كل حدودنا.
أصحاب السعادة، هذه عيّنة محدودة من أحداث طبعت عامًا مضى. حين أعود إليها، أحسبها عقدًا أو أكثر. وحين أتطلع إلى الغد، أدرك أنه ما زال أمامنا الكثير. لكنني متأكد متيقن حازم جازم، أننا سنتابع الطريق، وسنكملها وسنصل إلى خواتيمها الخيّرة لكل أهلنا وأرضنا. لا ينقص منهم إنسان. ولا يسقط منها شبر.
لذلك، إذ أختم بأن أكرر تمنياتي لأشخاصكم وحكوماتكم وشعوبكم، بكل الخير في السنة الجديدة، وفي تاريخ يوم قريب من تاريخ هذا اليوم، سنلتقي مجددًا هنا في السنة المقبلة، وستكون إنجازاتنا أطول، وسيكون وطني في ظروف أفضل، ويكون أهلي في خير أكثر وحياة أوفر. لأن حقنا أعلى وأكبر”.




