مايسترو الظلام


أخبار بارزة, خاص 26 أيار, 2022

كتب راشد فايد لـ “هنا لبنان” :

في الفترة ما بين العامين 1990 و2003 شاركت أكثر من 18 دولة في مشروع فك الشيفرة الوراثية للبشرية، وهو عمل يحمل من المعلومات الوراثية بما يتطلب من الفرد نحو 9 سنوات ونصف لقراءته.
يعتبر هذا المشروع بمثابة خريطة تمكن العلماء من البحث عن الجينات ومعرفة كافة المعلومات عنها، ومناسبة الحديث عنه هنا، ليس مستجدات علمية في مجاله، بل سؤال بسيط وساذج: هل “الخريطة الجينية للكهرباء” في لبنان أعقد من الخريطة الجينية للبشرية”؟
كانت الـ 13 سنة كافية للوصول إلى الخريطة البشرية، بينما لما تزل خريطة جينة الكهرباء عصية على وزراء الطاقة منذ وعد الـ 24 على 24 الذي أطلقه حاملو هذه الحقيبة الوزارية منذ 10 سنوات ونيّف.

لا يزال جبران باسيل مخيّماً على ملف الكهرباء حتى اليوم، ولم يكتف بعشر سنوات من النكث بالوعود، والفشل في تأمين الكهرباء أو الحد من الهدر الحاصل في هذا القطاع، حتى وصل به الأمر إلى عرقلة درس العروض المقدّمة من شركتين لتشغيل معمل الزهراني ودير عمار على الغاز وبأسعار ممتازة، حسب توصيف رئيس الحكومة المنتهية ولايتها نجيب ميقاتي للعروض المقدّمة.

علة العلل
أكد ميقاتي تلقيه عرضين لتشغيل معملي الزهراني ودير عمار على الغاز وبأسعار ممتازة، وأنه تم تكليف مكتب استشاري لدرسهما، كاشفاً عن سحب وزير الطاقة وليد فيّاض لهذا البند، نهاية الأسبوع الفائت، من جدول أعمال الجلسة بدعوى المزيد من الدرس، معترفاً بأن ملف الكهرباء هو “علة العلل”.
أما عن سبب سحب فياض لبند الكهرباء من جدول أعمال مجلس الوزراء، فقد تردّدت معلومات بأن ضغوطاً من باسيل مورست عليه، كما أفاد مصدر حكومي حينها، بينما قال فياض: “معترضون لأن الرئيس ميقاتي قال في مقابلة مع قناة الحرة بأن مهمة سحب كلمة سلعاتا من الملف استغرقت نحو شهرين من الزمن”.
وبعد تداول معلومات عن ضغوط مارسها باسيل على فيّاض أدت إلى سحب ملف الكهرباء من جدول أعمال مجلس الوزراء، سارع الأخير إلى إصدار بيان أوضح فيه بأنه سعى منذ توليه مهامه في الوزارة إلى تأمين زيادة التغذية بالكهرباء إلى المواطنين، والجميع يعلم بالجهد الجبار الذي بذله ولا يزال!
لا يجدي النقاش اليوم في التفاصيل لأنه، كي يكون جدياً، يجب العودة 10 سنوات، وربما أكثر، لإعادة سرد يوميات تعمد وزراء الطاقة، حراس العتمة الوطنية وأميرهم، إطالة زمنها من جهة، ويحتاج المتابع، من جهة أخرى، إلى حد كبير من الغباء ليقتنع بالأسباب، وآخر بدعها، عتب الوزير على الرئيس ميقاتي لما ذكر عن الوقت الذي استغرقه النقاش لسحب اسم معمل سلعاتا، أي أن اللبنانيين لم يعد يكفيهم الجدال لنحو قرن في جنس ملائكة الكهرباء، لينشغلوا اليوم باللياقات الملازمة التي يريدها الوزير وربعه عند التحدث على مقام معمل سلعاتا.

كل اختراعات العالم في مجال الطاقة لم توصل اللبنانيين إلى حل لأزمة الكهرباء، فيما الدولة لا تصلّي ولا تترك مواطنيها يصلّون: فالقانون لا يجيز لهم استخدام الطاقة الشمسية، ولا المراوح الهوائية، بينما شرّعت لمافيات المولدات، على امتداد الوطن، أن يؤسسوا مهنة جديدة، سيفرض ممارسوها على الدولة، في يوم آتٍ، أن تعطيهم تعويضات مالية مجزية، ليتيحوا لكهرباء الدولة أن تستعيد دورها، ومن لا يصدق عليه أن يتذكر المهجرين ومحتلي البيوت التي فر أصحابها فتم غزوها، وأن يتوقعوا سلسلة مماثلة كشبكات الكابل فوق سطوح الأبنية، وموزعي صهاريج الماء، ومحتلي الأرصفة في المدن والبلدات.

يصف أهل العلم الـ DNA بأنه “مايسترو” الحياة، لأنه يسيّر مهام الجسد، أفلا يستحق “أمير العتمة”، الذي من رحم أفكاره انسلّ وزراء الطاقة طيلة أكثر من 10 سنوات، وانسلّ معهم فوق الـ50 مليار دولار من جيب المواطن، أن يحمل تسمية مايسترو الظلام؟

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us