“الحزب” ولبنان الكبير


أخبار بارزة, خاص 16 آب, 2023
الحزب

السلاح وُجِد ليبقى سواء اعترض أهالي شويا أو الكحالة أو خلدة، أو لم يعترضوا، وعنوان المقاومة جاهزٌ كي يغطّي هذا السلاح


كتب أسعد بشارة لـ “هنا لبنان”:

لا تكاد تمرّ محطة إلّا ويثبت فيها حزب الله، عداءه لفكرة لبنان الكبير. المعنيّ بالكبر هنا، ليس الرسم الجغرافي الذي أعلنه الجنرال غورو في العام 1920، بل الترسيم الحضاري الذي كان نتاجاً لكيانٍ جميلٍ بتعدّديّته وطوائفه ومذاهبه وجامعاته ومستشفياته وإعلامه وصحفه وحريّاته ودستوره، وبكلّ ما أنتج هذا التنوّع من إبداع، وبكلّ ما تمّ تحميله ظلماً وغصباً عنه من كوارث.
أصيب لبنان الكبير بكوارث عدّة، كانت كلّها نتيجةً لتعدّدية الكيان الموزاييكي. لم يكد ينل استقلاله في العام 1945، حتّى داهمته نكبة فلسطين، ودخلت في شرايين تعدديته، فلعبت على وتر الخلاف، وكانت ثورة 1958، التي اتّخذت طابع الخلاف الجذري بين مفهومين للبنان، ذلك بعد أن أطاحت الثورة البيضاء، حكم بشارة الخوري، مقدّمةً نموذجاً طازجاً لإمكان ديمومة الكيان.
لم تكن كارثة هزيمة العام 1967 أقلّ وطأة. لقد أطاحت تلك الهزيمة بالشهابية، التي سقطت على يد التحالف الثلاثي، وشرّعت الأبواب أمام ضعف النظام الذي عاد وانهار في العام 1975 عندما بدأت حرب أهلية، غذّاها الوجود الفلسطيني المسلح، دامت إلى العام 1990، حين سلم لبنان إلى اتفاق الطائف الذي عهد إلى الرئيس السوري حافظ الأسد بتطبيقه، فكانت وصاية طويلة، وكان خروج في العام 2005 بعدما اغتيل الرئيس رفيق الحريري.
عندما تسلّم حزب الله راية الوصاية في العام 2005، كان الجميع يعتقد أنه بات أقرب إلى اللبننة منه إلى الاستمرار بسياسة الغلبة. بيّنت الوقائع السريعة بعد التحالف الرباعي، أنّ حزب الله كان يحضّر للجميع انقلاباً مضاداً ما زال مستمراً به إلى اليوم، وسيبقى على الأرجح مستمراً به إلى أن يحقّق الأهداف العميقة المرسومة له، ويمكن اختصارها بالحديث الشهير بالأسود والأبيض، للسيد الشاب حسن نصرالله، الذي كان يشرح مفهوم الدولة الإسلامية في إيران، ومعنى ولاية الفقيه، ودور لبنان في هذا المشروع. إنّه امتدادٌ للجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان.
كأنّ السيد نصرالله يتكلّم اليوم. السلاح وجد ليبقى سواء اعترض أهالي شويا أو الكحالة أو خلدة، أو لم يعترضوا، وعنوان المقاومة جاهز كي يغطّي هذا السلاح.
السيطرة على مفاصل الدولة العسكرية والأمنية والإدارية وحتى المالية قد تحقّقت، وسياسة القضم جاريةٌ على قدمٍ وساق.
إنّه العداء مع لبنان الكبير المتعدّد. إنه العداء مع لبنان الذي تميّز بقدرته على التكيف مع كل الأزمات، وهو باختصار سجن لبنان في مشروع ضيق، ومرتبط عضوياً بالماضي.
لم يترك حزب الله لغيره من اللبنانيين أن يتقبلوا ولو بالحد الأدنى ما يقوم به. بات اللعب على المكشوف. لا هو يرضى بالمساواة في وطنٍ واحد، ولا هو يقبل بالطلاق لأنه يريد الكلّ لا الجزء.
بعد الكحالة، لا بل قبل ذلك بكثير، أي بعد 14 شباط 2005، بات لا بدّ من إعادة النظر بالكثير ممّا اعتقد سابقاً أنه الصواب. إنها المراجعة التي تحتّمها الحقائق المؤلمة.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us