اغتيال خامنئي: ضربة في رأس النظام الإيراني وبداية مرحلة التحوّل الوجودي

الدولة التي احتكرت القرار في موقع واحد، وربطت استقرارها بشخص المرشد، تجد نفسها اليوم أمام فراغ يفضح غياب آليات تداول حقيقية للسلطة ويضع مؤسساتها أمام اختبار غير مسبوق. إنّ تركيز الصلاحيات التنفيذية والعسكرية والدينية في يد واحدة لم يُنتج منظومة متوازنة، بل نظاماً شديد الاعتماد على رأس الهرم، ما يجعل أي استهداف له بمثابة ضربة مباشرة لهيكل الحكم بأكمله.
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
لم يكن اغتيال المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي مجرد حدث أمني صادم، بل لحظة كشفت هشاشة البنية التي قام عليها النظام طوال عقود. فالدولة التي احتكرت القرار في موقع واحد، وربطت استقرارها بشخص المرشد، تجد نفسها اليوم أمام فراغ يفضح غياب آليات تداول حقيقية للسلطة ويضع مؤسساتها أمام اختبار غير مسبوق. إنّ تركيز الصلاحيات التنفيذية والعسكرية والدينية في يد واحدة لم يُنتج منظومة متوازنة، بل نظاماً شديد الاعتماد على رأس الهرم، ما يجعل أي استهداف له بمثابة ضربة مباشرة لهيكل الحكم بأكمله.
كما أنّ تضخم نفوذ الحرس الثوري الإيراني وتحوّله إلى لاعب مهيمن في السياسة والاقتصاد عمّق الطابع الأمني للدولة على حساب المؤسسات المدنية، وأضعف قدرتها على امتصاص الأزمات. وفي ظلّ مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تبدو الأزمة الحالية نتيجة تراكمات داخلية بقدر ما هي انعكاس لضغوط خارجية. لذلك، فإنّ ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في مسألة خلافة، بل هو امتحان وجودي لنظام بُني على مركزية القرار وتغليب المقاربة الأمنية، وقد يجد نفسه مضطراً إلى إعادة تعريف أسسه أو مواجهة اهتزازات أعمق في الداخل والإقليم.
في هذا السياق المتشابك داخلياً وإقليمياً، تتقاطع قراءات المحللين السياسيين علي حمادة وآلان سركيس لتفكيك تداعيات هذا التحوّل المفصلي واستشراف مآلاته المحتملة على بنية النظام ومستقبل نفوذه داخل إيران وخارجها.
فمن جهته، يرى المحلل السياسي علي حمادة في حديثه لـ “هنا لبنان” أنّ اغتيال المرشد الأعلى سيكون حدثاً ذا أثر بالغ، نظراً لأنّ علي خامنئي هو أول مرشد أعلى بعد وفاة مؤسس الجمهورية الإسلامية، الإمام الخميني. ويضيف حمادة: “خامنئي حكم إيران لمدة 35 عاماً، وهي فترة طويلة شكل خلالها البنية السياسية والعسكرية للبلاد، بينما الإمام الخميني لم يعش سوى عشر سنوات بعد تأسيس النظام. لذلك فإنّ تأثير خامنئي على إيران التي نعرفها اليوم أكبر بكثير”.
ويشير حمادة إلى أنّ الجيل الحالي من اللبنانيين والإيرانيين لم يعرف سوى حكم خامنئي، وأنّ الفصائل والأذرع الإيرانية في المنطقة، بما في ذلك حزب الله، تطورت ونمت تحت إشرافه لتصبح قوة إقليمية كبيرة.
أما عن المؤسسات الدستورية في إيران واحتمالات استمرار النظام، يقول حمادة: “لا يمكن تقديم إجابة حاسمة، فإيران لا تزال في حالة صراع مسلح مع الولايات المتحدة وإسرائيل. النتائج المستقبلية تعتمد على قدرة هذين البلدين على ضرب أسس النظام، خصوصاً الاقتصاد الذي يدعم ويُمول الحرس الثوري الإيراني، المؤسسة العسكرية والأمنية والاقتصادية الكبرى في البلاد”.
ويضيف: “الصراعات الداخلية حتمية، سواء داخل التيار المحافظ أو الإصلاحي، خصوصاً مع حالة الفوضى التي يفرضها هذا الصراع اليوم. قد تنشب قريباً صراعات نفوذ داخل أروقة النظام لتحديد المرشد الجديد، لكن هذه الصراعات ليست ظاهرة حالياً لأنّ الحرب تطغى على كل شيء”.
ويختم حمادة قائلاً: “الحرس الثوري تحت ضغط عسكري شديد، وتتركز جهود إسرائيل والولايات المتحدة على تدمير قدراته العسكرية والاقتصادية من خلال استهداف المؤسسات والمجمعات الصناعية والأسلحة المتطورة، وليس الجيش النظامي بالدرجة نفسها. بالتالي، إيران لن تعود كما كانت قبل اغتيال خامنئي، وسيشهد الداخل الإيراني وعلاقاته الخارجية تغييرات كبيرة، فقد تعرض النظام لضربة كبيرة أضعفته بشكل شبه كامل، حتى لو استمر على قيد الحياة”.
وبدوره، قال الصحافي والمحلل السياسي آلان سركيس لـ”هنا لبنان” إنّ “النظام الإيراني يمر اليوم بأزمة وجودية غير مسبوقة، وأي محاولة للتعامل مع الوضع الداخلي ستكون محدودة الفاعلية في ظل الانقسامات الحادة داخل السلطة، بين المحافظين والإصلاحيين والبراغماتيين”. وأضاف: “كل السلطات الفعلية في إيران مركّزة بيد المرشد الأعلى، وليس بيد رئيس الجمهورية، لذلك فإنّ أي قيادة انتقالية أو إدارة مؤقتة لن تستطيع ملء الفراغ أو ضمان استقرار النظام”.
وأوضح سركيس أنّ “الوضع الداخلي للنظام هشّ للغاية بعد الحرب الأخيرة، وأنّ استمرار الصراعات بين أجنحة السلطة سيؤدي إلى مزيد من الانقسام وعدم القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية فعالة”. وأفاد أنّ “أي محاولة لسد الفراغ السياسي ستواجه عقبات كبيرة، خصوصًا أنّ الشخصيات المكلفة بالقيادة الانتقالية قد تتعرض لمحاولات اغتيال، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي”.
وتطرق سركيس إلى دور الحرس الثوري الإيراني، قائلاً: “الحرس الثوري يشكل العمود الفقري للنظام الإيراني، فهو القوة الرديفة للجيش، ويمتلك النفوذ العسكري والسياسي الأكبر داخل البلاد”.
وأوضح أنّ “كل الغارات الأميركية والإسرائيلية تركز على قيادات الحرس ومراكزه، لأنّ استهدافه يعني ضرب أساس النظام نفسه، وبدون الحرس سيكون استمرار النظام في السيطرة على الملفات الداخلية والإقليمية صعبًا للغاية”.
كما لفت سركيس إلى أنّ “سقوط الحرس الثوري سيؤدي تلقائيًا إلى إضعاف النظام ككل، لأنّ الولايات المتحدة وإسرائيل لن تسمحا بعودة الحرس لدوره السابق أو باستعادة النظام قوته التقليدية”.
وبالنسبة للسياسة الإقليمية، أشار سركيس إلى أنّ “الواقع أظهر أن إيران لم تعد القوة الإقليمية التي كانت تهدّد بها إسرائيل وأميركا، وأنّ الحرب الأخيرة فضحت ضعفها وقدرتها المحدودة على التأثير الخارجي”.
وأضاف: “سياساتها الخارجية أصبحت محدودة جدًا، حتى مع الدول التي كانت تُصنف في المحور الإيراني، مثل روسيا والصين، فلم نرَ أي ردود فعل قوية أو استنكار كبير بعد الأحداث الأخيرة”. وأوضح أنّ “أي انهيار للنظام في الداخل سيؤدي بشكل مباشر إلى سقوط أذرعه الإقليمية في لبنان واليمن والعراق، ما يمهد الطريق لإعادة تشكيل شرق أوسط جديد خالٍ من أي نفوذ لإيران أو ولاية الفقيه”.
وختم سركيس حديثه قائلاً: “ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة سياسية عابرة، بل مرحلة تحول استراتيجي عميق على المستويين الداخلي والإقليمي. الصراعات داخل النظام، الاستهداف المستمر للحرس الثوري، وفقدان النفوذ الإقليمي كلها عوامل تؤكد أنّ النظام الإيراني يواجه أزمة وجودية حقيقية، والأيام المقبلة ستكون حاسمة في تحديد مستقبله ومصير أذرعه الإقليمية”.




