العقوبات الأميركية: إشارة سياسية أكثر منها تشكيك في الجيش اللبنانيّ

ترجمة هنا لبنان 24 أيار, 2026

كتب Fred Khair لـ“Ici Beyrouth”:

أثارت العقوبات الأخيرة الّتي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية على نواب من حزب الله ومسؤولين في حركة أمل، لا سيّما على ضابطيْن أمنيّيْن لبنانيّيْن للمرة الأولى، استغرابًا واسعًا في الأوساط السياسية اللبنانية.
وقد اعتُبر هذا التطور بالغ الحساسية، لا بل مثيرًا للقلق، لسببيْن رئيسيّيْن: من جهة، لأنّ الولايات المتحدة تبقى الداعم الأساسيّ للجيش اللبنانيّ، ومن جهة أخرى، لأنّه أعاد طرح المخاوف حول هشاشة الاستقرار اللبنانيّ في حال طالت العقوبات المؤسسات الأمنية والعسكرية بشكل مباشر، بما قد ينعكس على المساعدات الأميركية الضرورية لاستمرار عملها.
مع ذلك، ليس بالضرورة أن يعكس هذا القلق، وإن كان مفهومًا، حقيقة الواقع.

الجيش اللبنانيّ يبقى الجهة المدعومة الوحيدة من واشنطن
تواصل الولايات المتحدة، إلى جانب المجتمع الدوليّ وعدد من الدول العربية، اعتبار الجيش اللبنانيّ الضامن الأساسيّ لأمن البلاد، والخيار البديل الموثوق لأي قوة عسكرية أو ميليشيا موازية.
وتندرج في هذا الإطار تحديدًا العقوبات الأميركية الأخيرة، خلافًا للتأويلات الّتي رافقت إعلانها.
فمنذ سنوات، يشهد الدعم الأميركيّ للمؤسسة العسكرية اللبنانية نقاشات حادة في داخل الكونغرس، حيث شكك بعض أعضاء مجلسيْ الشيوخ والنواب في جدوى التمويل الّذي يُنظر إليه على أنّه شبه غير مشروط، في حين لم يُحقَّق بعد نزع سلاح حزب الله، ويستمر وجود أسلحة وشبكات تحت الأرض في جنوب لبنان تابعة للحزب الايرانيّ.
وفي هذا السياق، طُرحت سيناريوهات متعددة، بهدف تعزيز فعالية الجيش اللبنانيّ وتمكينه من أداء مهمة نزع سلاح حزب الله بصورة أفضل، بما يتماشى مع قرارات مجلس الوزراء اللبنانيّ، ومع أحكام وقف إطلاق النار الّذي يعلن هذا الطرف المسلح عينه دعمه الرسميّ له.
فكرة إنشاء قوة خاصة مكلّفة بنزع السلاح
من بين المقترحات المطروحة، برزت فكرة، لا تزال في طور النقاش الأوليّ ولم تُبحث رسميًّا بشكل معمّق، إنشاء وحدة متخصصة تضم ضباطًا وعناصر مُدرّبين خصيصًا لتنفيذ مهمة توازي مهمة نزع سلاح حزب الله حساسية.
لم تأتِ هذه الفكرة من فراغ، إذ استندت إلى سوابق تاريخية اعتُبرت ناجحة في سبعينيّات القرن الماضي، مع إنشاء قوة خاصة عُرفت باسم “المكافحة”.

“المكافحة”: سابقة تاريخية في قلب الجيش
في الأصل، أنشأ هذه الوحدة العقيد جول بستاني الّذي كان يشغل حينها منصب رئيس المكتب الثاني في الجيش، وهو ما يُعرف اليوم بمديرية المخابرات في قيادة الجيش.
وتألّفت الوحدة من عدد محدود من الضباط والعناصر المدرّبين خصيصًا لمهمات مكافحة التجسس، ومكافحة الإرهاب ، في سياق الحرب الباردة وتصاعد نشاط التنظيمات الفلسطينية في لبنان.
وفي ما بعد، طوّر خلف العقيد بستاني، العقيد جوني عبده هذه القوة، وأعاد تنظيمها. وبطلب من رئيس الجمهورية الياس سركيس آنذاك، تحوّلت القوة إلى فوج عسكريّ كامل في داخل الجيش، استلم مهام استراتيجية أبرزها:
المساهمة في إعادة توحيد الجيش في مرحلة كانت الانقسامات الطائفية قد أضعفت المؤسسة العسكرية بشكل كبير؛
تدريب العناصر بهدف إعادة بناء قدرات الجيش الأمنية والعسكرية، وتعزيز مصداقيته في مواجهة الميليشيات؛
ضمان أمن القصر الجمهوريّ ووزارة الدفاع.
ومع مرور السنوات وتوالي العهود، تطورت هذه البنية لتصبح ما يُعرف اليوم بقسم مكافحة الإرهاب، ومكافحة التجسس، ضمن مديرية المخابرات.

القطاعات الأمنية ودور ضاحية بيروت الجنوبية الحساس
تضمّ مديرية المخابرات اليوم قطاعات متخصصة مختلفة، إلى جانب فروع موزعة على المحافظات.
وفي السياق الاستثنائيّ الّذي يمر به لبنان، حيث اضطلع الجيش بمهام تتعلق بالأمن الداخليّ أحيانًا على حساب مهمته العسكريّة البحت، تؤدي هذه البُنى دورًا محوريًّا في استقرار البلاد.
تضم كل محافظة وحدات فرعية تُعرف عادة بـ”مكاتب أمن”، تعمل في الغالب على مستوى الأقضية.
أمّا ضاحية بيروت الجنوبية، فتضم مكتبًا خاصًا مستقلًا تمامًا عن فرع جبل لبنان، نظرًا لخصوصية المنطقة الأمنية الّتي تحتضن مقرات رئيسة تعود إلى حزب الله.
وتتولى هذه المكاتب بالأساس مهمة التنسيق مع الأحزاب السياسية، والمنظمات المحلية، والشخصيات المؤثرة، للحفاظ على الأمن الداخليّ والسلم الأهليّ.
وتندرج في هذا السياق العقوبات الأميركية الّتي تطال العقيد سامر حمادة، رئيس مكتب أمن ضاحية بيروت الجنوبية في مديرية مخابرات الجيش.

حملة تضخيم يقودها حزب الله
ضخّم حزب الله، على نطاق واسع، النقاشات الّتي تناولتها وسائل الإعلام حول احتمال إنشاء “قوة خاصة” مكلفة بنزع سلاح هذا الأخير.
وقدّم حزب الله هذه الفرضية كمحاولة لزعزعة الاستقرار الداخليّ، والتمهيد لحرب أهلية، في حين تندرج الحجج الأميركية والدولية الداعية إلى تعزيز قدرات الجيش اللبنانيّ، في المقابل، ضمن مقاربة معاكسة: تجنب أي مواجهة فوضوية، وتمكين الدولة اللبنانية من ممارسة احتكارها للأمن بشكل تدريجيّ.
وقد بلغ هذا التضخيم الإعلامي ذروته في خلال مؤتمر صحافيّ لنائب حزب الله حسن فضل الله، الّذي تطاله أيضًا العقوبات الأميركية.
وهدّد فضل الله بمواجهة المؤسسة العسكرية إذا حوّلتها، بحسب تعبيره، الولايات المتحدة إلى “جيش مهمته قتال حزب الله”، واضعًا هذا السيناريو في مستوى “المعركة الّتي يخوضها حزب الله ضد إسرائيل”.

رسالة واشنطن الحازمة
لا يبدو أنّ الإدارة الأميركية ستتغاضى عن محاولات الترهيب هذه، لا سيّما مع اقتراب الاجتماع في البنتاغون، المقرر انعقاده في التاسع والعشرين من أيار.
ففي خلال هذا الاجتماع، من المقرر أن يشارك ممثلون عن الجيش اللبنانيّ في محادثات تتناول تطبيق وقف إطلاق النار، ومسار نزع السلاح.
وتبدو واشنطن اليوم عازمة على دعم الرئيس اللبنانيّ جوزاف عون، والحكومة برئاسة نواف سلام، وقيادة الجيش اللبنانيّ، من الناحيتيْن السياسية والأمنية، في مواجهة ضغوط حزب الله وترهيبه.
وبعيدًا عن العقوبات بحد ذاتها، تبدو الرسالة الأميركية واضحة: الحفاظ على مؤسسات الدولة اللبنانية، مع تكثيف الضغط على البنى السياسية والعسكرية المتهَمة بعرقلة تنفيذ وقف إطلاق النار الفعليّ، واستعادة احتكار الدولة للسلاح.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us