الدولة تنتصر سياسياً.. والرئيس عون يفرض معادلة التفاوض الرسمي

في وقت كانت فيه البلاد تقف على حافة الانفجار الكامل، قاد رئيس الجمهورية تحركاً سياسياً ودبلوماسياً مكثفاً ساهم في احتواء جزء كبير من التصعيد، ومنع تمدد الحرب إلى مختلف الأراضي اللبنانية، مؤكداً منذ البداية أنّ قرار التفاوض ووقف إطلاق النار يجب أن يبقى حصراً بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
شكّل رئيس الجمهورية جوزاف عون صمام الأمان للبنان في واحدة من أخطر اللحظات التي كادت تدفع البلاد نحو حرب شاملة وانهيار أمني غير مسبوق، بعدما نجح في إدارة مرحلة بالغة الحساسية سياسياً وأمنياً، وسط تصاعد الغارات الإسرائيلية واتساع دائرة التهديدات التي طالت مختلف المناطق اللبنانية. وفي وقت كانت فيه البلاد تقف على حافة الانفجار الكامل، برز عون بموقف حاسم وثابت أعاد تثبيت دور الدولة اللبنانية كمرجعية وحيدة في إدارة الأزمة ومنع جرّ لبنان إلى صراعات إقليمية تتجاوز مصالحه الوطنية.
وقد قاد رئيس الجمهورية تحركاً سياسياً ودبلوماسياً مكثفاً ساهم في احتواء جزء كبير من التصعيد، ومنع تمدد الحرب إلى مختلف الأراضي اللبنانية، مؤكداً منذ البداية أنّ قرار التفاوض ووقف إطلاق النار يجب أن يبقى حصراً بيد الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية. كما لعب دوراً محورياً في حماية الاستقرار الداخلي والحفاظ على الحد الأدنى من التوازن الوطني، في مرحلة كانت تنذر بمشهد كارثي على المستويات الأمنية والإنسانية والاقتصادية.
وفي ظل الضغوط الداخلية والتوترات الإقليمية المتسارعة، أثبت الرئيس عون أنه رجل دولة قادر على إدارة الأزمات الكبرى بحكمة وحزم، واضعاً مصلحة لبنان فوق أي اعتبارات أخرى، ومكرساً معادلة واضحة عنوانها أنّ الدولة وحدها قادرة على حماية اللبنانيين ومنع سقوط البلاد في الفوضى والحروب المفتوحة.
وفي قراءة شاملة للتطورات السياسية والأمنية التي رافقت المرحلة الأخيرة، يسلّط الصحافي والمحلل السياسي طوني بولس الضوء على الكواليس التي أحاطت بمسار التصعيد، والدور الذي لعبه رئيس الجمهورية في منع لبنان من الانزلاق نحو حرب شاملة كانت تهدد مختلف المناطق اللبنانية.
ويقول بولس لـ “هنا لبنان” إنّ “حزب الله يسعى بشكل واضح إلى إضعاف الدولة اللبنانية وتقويض صورتها أمام الداخل والخارج، عبر الإيحاء بأنّ الدولة عاجزة عن إدارة الأزمة أو فرض الاستقرار، وربط مصير لبنان بالكامل بمسار المفاوضات الإيرانية – الأميركية، والترويج لفكرة أنّ أي تسوية أو وقف لإطلاق النار لا يمكن أن يتحقق إلا ضمن تفاهمات إقليمية تشمل طهران أو من خلال ما يُعرف بإعلان إسلام آباد”.
وأوضح بولس أنّ الوقائع الميدانية والسياسية التي شهدتها المرحلة الأخيرة تؤكد أنّ الساحة اللبنانية ليست مرتبطة عضوياً بالقرار الإيراني كما يحاول البعض تصويره، مشيراً إلى أنّ رئيس الجمهورية جوزاف عون اتخذ منذ اللحظة الأولى قراراً بفتح قنوات تفاوض مباشرة وغير مباشرة بهدف حماية لبنان ومنع انزلاقه نحو حرب شاملة كانت ستؤدي إلى انهيار كارثي على المستويات الأمنية والإنسانية والاقتصادية.
وأشار إلى أنّ لبنان كان يقف فعلياً على حافة الانفجار الكبير، لا سيما بعد ما عُرف بـ”الأربعاء الأسود” في الثامن من نيسان، حين تعرضت العاصمة اللبنانية ومناطق عدة لأكثر من مئة غارة إسرائيلية خلال دقائق قليلة، في مشهد وصفه بالأخطر منذ بداية التصعيد. ولفت إلى أنّ تلك التطورات كانت مؤشراً واضحاً بأن إسرائيل كانت تتجه نحو توسيع الحرب بشكل غير مسبوق، وأن استمرار التصعيد كان سيؤدي إلى تكرار تلك الضربات لأيام طويلة وبوتيرة أعنف وأكثر تدميراً.
وأضاف بولس أنّ العاصمة بيروت بدأت آنذاك تشهد حالة هلع ونزوح تدريجي للسكان، بعدما لم تعد المخاوف مقتصرة على الضاحية الجنوبية فقط، بل امتدت إلى مناطق واسعة من بيروت الشرقية والغربية، وسط قناعة متزايدة لدى اللبنانيين بأنّ البلاد تتجه نحو مواجهة مفتوحة قد تطال جميع المناطق اللبنانية بلا استثناء.
وأكد أنّ إسرائيل كانت قد وصلت إلى مرحلة اتخاذ قرار فعلي بشن حرب شاملة على لبنان، معتبراً أنّ الاستهدافات التي طالت مناطق عدة، ومنها عين سعادة ومحيطها، شكلت دليلاً واضحاً على أنّ العمليات العسكرية كانت تتجه نحو التوسع التدريجي، بما قد يفتح الباب أمام عمليات برية واسعة ووصول المعارك إلى قلب العاصمة بيروت، الأمر الذي كان سيقود إلى مشهد إنساني وأمني بالغ الخطورة.
ورأى بولس أن الدور الذي لعبه الرئيس جوزاف عون كان محورياً في منع سقوط لبنان في هذا السيناريو الكارثي، من خلال تثبيت مبدأ أساسي يقوم على أنّ الدولة اللبنانية وحدها هي الجهة المخولة إدارة ملف التفاوض ووقف إطلاق النار، بعيداً عن أي محاولات لفرض وقائع سياسية أو عسكرية خارج إطار المؤسسات الرسمية.
وأشار إلى أنّ هذا المسار السياسي، رغم هشاشته وعدم نجاحه الكامل حتى الآن في فرض وقف شامل لإطلاق النار على كامل الأراضي اللبنانية، نجح إلى حد كبير في احتواء رقعة المواجهة وحصر الجزء الأكبر من العمليات العسكرية في الجنوب، مانعاً تمدد الحرب إلى مناطق لبنانية أوسع.
وفي المقابل، حمّل بولس “حزب الله” مسؤولية استمرار التوتر والتصعيد، معتبراً أنّ الحزب رفض بشكل واضح إعلان وقف إطلاق النار، واستمر في إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل والمواقع العسكرية، ما أدى إلى إطالة أمد المواجهة وفتح المجال أمام مزيد من التوغلات الإسرائيلية داخل القرى الجنوبية، إضافة إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى في صفوف الحزب نتيجة الغارات والاشتباكات المستمرة.
وختم بولس بالتأكيد على أنّ “حزب الله” كان يراهن على استمرار الحرب بهدف جرّ لبنان إلى طاولة مفاوضات مرتبطة مباشرة بإيران، إلا أن هذا الرهان سقط بفعل موقف رئيس الجمهورية الذي أصر منذ البداية على أن لبنان يفاوض باسمه ومن خلال دولته فقط، وأن المؤسسات الرسمية اللبنانية وحدها تتحمل مسؤولية استعادة الاستقرار ووقف إطلاق النار، وهو ما جعل من دور جوزاف عون عاملاً أساسياً في منع انهيار البلاد وانزلاقها إلى حرب شاملة كان من الممكن أن تنتهي بوصول القوات الإسرائيلية إلى داخل بيروت نفسها.
مواضيع مماثلة للكاتب:
بيروت ودمشق على أعتاب مرحلة جديدة… ماذا حملت زيارة الشيباني؟ | خفض سنّ القيادة: إصلاح مرتقب أم مخاطرة في طرقات تفتقد للجاهزية؟! | رهان أميركي على اتفاق الإطار… وضغوط لكبح الاعتراضات في لبنان وإسرائيل |




