بيروت ودمشق على أعتاب مرحلة جديدة… ماذا حملت زيارة الشيباني؟

تكشف زيارة الوزير أسعد الشيباني إلى بيروت أنّ العلاقات اللبنانية-السورية دخلت مرحلة مختلفة عنوانها إعادة بناء الثقة وإدارة الملفات العالقة عبر المؤسسات الرسمية، بعد سنوات طويلة طغت عليها الوصاية والتوترات السياسية والأمنية. وبين الرسائل السياسية التي حملتها الزيارة والخطوات العملية التي أُعلن عنها، تبدو بيروت ودمشق أمام فرصة لإرساء علاقة أكثر توازناً تقوم على المصالح المشتركة وحسن الجوار
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
في زيارة وصفت بأنها محطة مفصلية في مسار العلاقات اللبنانية–السورية، وصل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى بيروت حاملاً معه رسائل سياسية تعكس تحولاً في مقاربة دمشق للعلاقة مع لبنان، في ظل مرحلة إقليمية دقيقة تعيد رسم التوازنات بين دول المنطقة. الزيارة التي شملت لقاءات مع مختلف المرجعيات السياسية والروحية اللبنانية، لم تقتصر على البعد البروتوكولي، بل بدت بمثابة اختبار فعلي لإمكان الانتقال من مرحلة الإرث الثقيل في العلاقات الثنائية إلى مرحلة جديدة قائمة على الشراكة والندية واحترام السيادة المتبادلة. وبين تأكيدات النفي لأي نية للتدخل في الشأن اللبناني، والإعلان عن آليات تعاون مؤسساتي لمعالجة الملفات العالقة، برزت الزيارة كإشارة أولى إلى مسار سياسي جديد ما زال في بداياته، لكنه يطرح أسئلة واسعة حول اتجاهات العلاقة بين بيروت ودمشق في المرحلة المقبلة.
في هذا السياق، يقول الصحافي والكاتب السياسي آلان سركيس، في حديث لـ”هنا لبنان”، إنّ زيارة الشيباني تأتي في مرحلة مفصلية تشهد إعادة رسم موازين القوى في المنطقة، معتبراً أنّ التحولات الإقليمية انعكست مباشرة على طبيعة العلاقة بين بيروت ودمشق.
ويرى سركيس أنّ الزيارة جاءت في ظل متغيرات استراتيجية كبرى، أبرزها تراجع النفوذ الإيراني في المنطقة، وخروج سوريا إلى حد كبير من العباءة الإيرانية، بالتوازي مع ما يصفه بمحاولة الدولة اللبنانية استعادة قرارها السيادي، بعدما أكدت أنّ التفاوض باسم لبنان هو من صلاحيات الدولة اللبنانية وحدها.
ويلفت إلى أنّ أهمية الزيارة تزداد بعد التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشأن احتمال اضطلاع سوريا بدور في معالجة ملف حزب الله، معتبراً أنّ ذلك يعكس تحولاً في النظرة الدولية إلى دمشق ودورها الإقليمي.
ويشير سركيس إلى أنّ سوريا، في عهد حافظ الأسد وبشار الأسد، كانت جزءاً أساسياً من محور الممانعة وشكلت مصدر قلق للبنان، إلا أنّ المشهد تبدّل بصورة جذرية. ويعتبر أنّ زيارة الشيباني إلى معراب ولقاءه قيادة حزب القوات اللبنانية، إضافة إلى تواصله مع حزب الكتائب، يعكسان تحولاً في تموضع دمشق، بحيث باتت القوى السيادية التي انضوت سابقاً تحت مظلة قوى 14 آذار أقرب إلى مقاربة النظام السوري الجديد.
ويؤكد أنّ هذا التحول بدأ مع سقوط نظام الأسد وتراجع نفوذ كل من إيران وحزب الله في سوريا، وأنّ زيارة الشيباني تهدف إلى إعادة تنظيم العلاقات اللبنانية-السورية وفق قواعد جديدة تختلف عن تلك التي كرّسها نظام البعث لعقود.
كما يعتبر أنّ المرحلة الحالية تؤسس لعلاقة بين دولتين تقوم على الندية والاحترام المتبادل، مشيراً إلى أنّ تشكيل لجان وزارية مشتركة لمتابعة ملفات مثل ترسيم الحدود وملف المعتقلين والمفقودين يعكس توجهاً عملياً لإدارة العلاقة عبر المؤسسات الرسمية.
ويضيف أنّ سوريا الجديدة تتبنى موقفاً سياسياً مغايراً للمحور الإيراني ولحزب الله، وأنّ الزيارة تحمل رسالة طمأنة إلى الدولة اللبنانية بأنّ دمشق لا تنوي العودة إلى سياسات التدخل أو الهيمنة. كما يرى أنّ لقاء الشيباني برئيس مجلس النواب نبيه بري يؤكد أنّ الخلاف ليس مع الطائفة الشيعية، وإنما مع حزب الله بسبب دوره في دعم نظام الأسد والانخراط في الحرب السورية.
ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت الزيارة، يحذر سركيس من أنّ الحديث عن انتهاء احتمالات التدخل في الساحة اللبنانية لا يزال سابقاً لأوانه، معتبراً أن سلوك حزب الله خلال المرحلة المقبلة سيكون عاملاً حاسماً في تحديد مسار العلاقة بين البلدين، وأنّ أي تصعيد إيراني في سوريا قد ينعكس على المشهد اللبناني.
مقاربة جديدة للعلاقة بين الدولتين
من جهته، يرى الكاتب السياسي يوسف قاسم أنّ الزيارة السورية إلى لبنان تُعد استثنائية من حيث الشكل والمضمون والتوقيت، لأنها تعكس تحولاً واضحاً في مقاربة دمشق الجديدة للعلاقة مع بيروت.
ويقول قاسم إنّ القيادة السورية حرصت على أن تشمل الزيارة مختلف المكونات اللبنانية، من الرؤساء الثلاثة إلى القيادات السياسية ورؤساء الأحزاب والمرجعيات الروحية، في رسالة تؤكد أنّ دمشق باتت تتعامل مع لبنان بوصفه دولة ذات مؤسسات، بعيداً عن سياسة الاصطفافات التي طبعت العلاقة في العقود الماضية.
ويعتبر أنّ هذا النهج يمثل انتقالاً نوعياً مقارنة بسياسات النظام السوري السابق، الذي كان يبني علاقاته مع أطراف لبنانية على حساب أخرى، فيما تسعى سوريا اليوم إلى إقامة علاقة متوازنة مع الدولة اللبنانية بكل مؤسساتها.
وفي ما يتعلق بمضمون الزيارة، يشير قاسم إلى أنّ وزير الخارجية السوري أظهر مستوى عالياً من الدبلوماسية، مع إدراك واضح لتعقيدات المشهد اللبناني، لافتاً إلى أنّ تصريحاته اتسمت بالوضوح والاتزان وتناولت مختلف الملفات الثنائية من دون إثارة أي إشكال سياسي أو دبلوماسي.
أما توقيت الزيارة، فيراه قاسم بالغ الأهمية، إذ جاء بعد توقيع لبنان اتفاق الإطار في واشنطن مع إسرائيل، معتبراً أنّ دمشق أرادت التأكيد أنّ هذا النوع من الملفات لا يخص لبنان وحده، بل يرتبط أيضاً بسوريا في ظل تواجد الجيش الإسرائيلي في أراضٍ سورية، ما يجعل التنسيق بين البلدين ضرورة لحماية مصالحهما المشتركة وتوحيد موقفيهما.
ويؤكد قاسم أنّ الزيارة أسهمت في خلق أجواء من الارتياح داخل لبنان، ولا سيما أنها تأتي بعد عقود من التوترات التي ارتبطت بتدخلات النظام السوري السابق في الشأن اللبناني، معتبراً أنّ المرحلة الحالية تفتح الباب أمام إعادة بناء العلاقات بين البلدين على أسس جديدة.
ويختم بالتأكيد أنّ لبنان وسوريا يمتلكان فرصة حقيقية لإرساء علاقة طبيعية بين دولتين جارتين، تقوم على الاحترام المتبادل لسيادة كل دولة واستقلالها وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بما يحقق مصالح البلدين ويعزز الاستقرار في المنطقة.
وفي المحصلة، تكشف زيارة أسعد الشيباني إلى بيروت أنّ العلاقات اللبنانية-السورية دخلت مرحلة مختلفة عنوانها إعادة بناء الثقة وإدارة الملفات العالقة عبر المؤسسات الرسمية، بعد سنوات طويلة طغت عليها الوصاية والتوترات السياسية والأمنية. وبين الرسائل السياسية التي حملتها الزيارة والخطوات العملية التي أُعلن عنها، تبدو بيروت ودمشق أمام فرصة لإرساء علاقة أكثر توازناً تقوم على المصالح المشتركة وحسن الجوار. إلا أنّ نجاح هذه المرحلة سيبقى مرهوناً بقدرة الطرفين على تحويل التفاهمات السياسية إلى خطوات تنفيذية ملموسة، وبمدى قدرة التطورات الإقليمية على دعم أو تعطيل هذا المسار الناشئ.




