الرئيس وحده لا يكفي!


خاص 8 حزيران, 2026

الرهان الأكبر يبقى في اللبنانيين أنفسهم. فاستراتيجية الرئيس لإرساء السلام لا يمكن أن تبقى مجرّد موقف رئاسي، بل تحتاج إلى أن تتحوّل فكرة وطنية جامعة، يلتفّ حولها اللبنانيون الذين سئموا حسابات الطغمة الحاكمة التي تعيش على استنهاض إرث الحرب الأهلية، ومغامرات السلاح، ومنطق الارتهان للخارج والحواصل الإنتخابية

كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:

لم يعد ترفاً في لبنان السؤال عن السلام.. فبلدٌ أنهكته الحروب المتتالية، وأرهقته مشاريع الخارج، لم يعد يحتمل الدم والدمار والتهجير… من هنا، بدا الرئيس العماد جوزاف عون، في مقاربته الأخيرة، كمن يرسم مساراً مختلفاً؛ طريقاً لإنقاذ ما تبقّى من لبنان، عنوانه الدولة، وأداته الدبلوماسية، وغايته وقف الانهيار المفتوح على المزيد من الآلام.

قدّم الرئيس، في مقابلته مع CNN قبل أيام، تشخيصاً مباشراً للحرب العبثية التي تخوضها إسرائيل و”حزب الله”، واضعاً أمام القوى المحلية والدولية مقاربة واضحة قوامها أنّ الاستراتيجيات قصيرة النظر لن تنتج إلّا مزيداً من الخراب. حمل وجع اللبنانيين الذين سئموا التهجير والتدمير المتكرّر منذ عام 1969، وشدّد على أنّ اللبنانيين لم يعودوا قادرين على دفع أثمان الحروب بالنيابة عن أحد.

وفي معرض ردّه على رفض الحرس الثوري الإيراني نتائج المفاوضات المباشرة التي يخوضها لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة الأميركية، جدّد الرئيس رفضه القاطع لتحويل لبنان إلى ورقة مساومة في بازار التفاوض الإيراني – الأميركي، محمّلاً، بشكل أو بآخر، مسؤولية استمرار الحرب لجهات تماهت إعلامياً وسياسياً مع الموقف الإيراني.

وكشف عون أنّ غالبية اللقاءات التي عقدها عكست حقيقة واضحة: اللبنانيون ضاقوا ذرعاً بالحروب، وطالبوه بالعمل على تحقيق السلام بعدما اعتادوا مشاهدة منازلهم تُدمَّر كل خمس أو عشر سنوات، وكأنّ الخراب صار قدراً دورياً لهذا البلد.

وإذ اعتبر الرئيس أنّ “الشعب اللبناني ليس شعب نعيم قاسم”، وأنّ قرار لبنان يجب أن يبقى في يد اللبنانيين لا في يد الحرس الثوري الإيراني، شدّد على أنّ مسؤوليته الوطنية تفرض وضع حدّ لإراقة الدماء. وكشف في هذا السياق عن مقتل أكثر من 3500 شخص في لبنان منذ الثاني من آذار، بينهم ما يقارب 13 طفلاً يومياً، فضلاً عن إصابة أكثر من عشرة آلاف شخص، ونزوح أكثر من مليون لبناني من منازلهم وقراهم.

أمام هذه الفاجعة الإنسانية، أعاد الرئيس التأكيد أن لا طريق آخر لإنقاذ ما تبقّى من لبنان سوى التفاوض والعمل الدبلوماسي، مستعيداً المقاربة التي تختصر مأساة الحروب وحقيقتها: “الحرب تفاوض بالدماء، فيما التفاوض حرب بلا دماء”.

تكمن أهمية هذه المقاربة في أنها لا تبدو موقفاً عابراً أو خطاباً سياسياً ظرفياً، بل امتداداً واضحاً لخطاب القسم الرئاسي، وللمواقف التي عبّرت عنها السلطة التنفيذية ورئيس الحكومة نواف سلام، خصوصاً في ما يتعلّق بتطبيق الدستور، وبسط سلطة الدولة، وحصر السلاح بيد القوى الشرعية على كامل الأراضي اللبنانية.

كما حضرت رسالة الدولة بوضوح في إعادة افتتاح مطار الرئيس الشهيد رينيه معوّض في القليعات، في مشهدية سياسية دحضت رهانات السلاح الميليشيوي وادعاءات “الدويلة” في توفير الحماية للجنوبيين. فالوقائع أثبتت أنّ أي مكوّن سياسي أو طائفي حين يحتكر قرار الحرب والسلم، يتحوّل عبئاً على بيئته قبل أن يكون عبئاً على الآخرين؛ والصور التي تأتي من جنوب لبنان تغني عن أي توصيف!

من هنا، يتقدّم الرهان على عودة الدولة إلى الجنوب وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، بما يعيد الأمن والاستقرار والإعمار… ويضع حدّاً لآلة التدمير التي بدأت تتوسّع مع تمدّد العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى ما بعد الخط الأصفر وجنوب الليطاني.

لكن الرهان الأكبر يبقى في مكان آخر: في اللبنانيين أنفسهم. فاستراتيجية الرئيس لإرساء السلام لا يمكن أن تبقى مجرّد موقف رئاسي، بل تحتاج إلى أن تتحوّل فكرة وطنية جامعة، يلتفّ حولها اللبنانيون الذين سئموا حسابات الطغمة الحاكمة التي تعيش على استنهاض إرث الحرب الأهلية، ومغامرات السلاح، ومنطق الارتهان للخارج… والحواصل الإنتخابية.

ذلك أنّ دعم الدولة بصورة مطلقة، والعمل لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل، ووقف الانتهاكات، وإنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل، لا يفتح فقط باب الاستقرار، بل يسحب تدريجياً الذرائع التي كرّست احتكار “حزب الله” قرار شريحة واسعة من الطائفة الشيعية، وفتحت شهية المكونات الأخرى، المسيحية والسنية والدرزية، أمام محاولة استنساخ سطوته، كلٌ داخل بيئته. وعندها فقط، يستعيد لبنان الالتفاف حول “فكرة” الدولة الحاضنة وإعادة إنتاج الاستقرار بوصفه مصلحة وطنية جامعة تجسدها الاستراتيجية الرئاسية لتحقيق السلام المطلوب وإنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us