من كفرتبنيت إلى علي الطاهر: معركة مرتفعات النبطية!

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:
تلة تتجاوز كونها مجرّد تضاريس. فمنذ عقود، اعتُبرت مرتفعات علي الطاهر من بين أكثر المواقع الاستراتيجية، ومن أكثر النقاط المتنافس عليها في جنوب لبنان. فهي تهيمن على منطقة النبطية، وعلى مساحات واسعة من جبل عامل، ما يمنح مَن يسيطر على قممها أفضلية عسكرية كبيرة.
وهذا ما يفسّر تصاعد حدّة الاشتباكات التي سُجّلت في الأيام الأخيرة حول كفرتبنيت، عند البوابة المؤدّية إلى هذه النقطة الحاكمة. فبعيدًا عن معركة البلدة بحد ذاتها، يتمحور الرهان حول السيطرة على مرصد طبيعي يُتيح مراقبة تحرّكات تمتد على نطاق جغرافي واسع.
وبحسب مسؤول عسكري تحدّث لموقع “Ici Beyrouth”، يبقى التقدم الإسرائيلي في هذا المحور جزئيًّا ومتقطّعًا. ويقول: “تمكّنت القوات المشاركة من الوصول إلى كفرتبنيت، وتحاول تثبيت وجودها ضمن إطار تقدم تدريجي”. ويُضيف أنّ محاولات سابقة للاقتراب المباشر من علي الطاهر لم تنجح، سواء من الجهة الغربية أو الجنوبية، حيث اضطرت الوحدات إلى التراجع أو الاكتفاء بتمركزات خلفية. أمّا التقدم المحدود من الجهة الشرقية، فلم يسمح سوى بالوصول إلى أطراف كفرتبنيت من دون بلوغ التلة الاستراتيجية.
علي الطاهر… مفتاح المرتفعات
على ارتفاع يبلغ قرابة 600 متر، تفرض تلة علي الطاهر سيطرتها على مساحة واسعة من جنوب لبنان. ويشرح المصدر العسكريّ أنّه “ومن مرتفعاتها، تُرصَد الطرق الرئيسية التي تربط قرى الجنوب بالداخل بشكل مباشر، خصوصًا باتجاه النبطية غربًا وشمالًا، وجزين، والسلسلة الشرقية في جنوب لبنان”.
وفي منطقة تتّسم بتضاريس شديدة الوعورة، طالما شكّل التحكم بالمرتفعات عنصرًا عسكريًّا حاسمًا. فقبل عصر الطائرات المُسيّرة، وأنظمة المراقبة الفضائية، سعت الجيوش إلى السيطرة على القمم لفرض الهيمنة على الوديان، وتأمين محاور الحركة.
لا تزال هذه القاعدة قائمةً حتى اليوم. ويؤكّد المصدر أنّ “التضاريس لا تُتيح المراقبة المباشرة فحسب، بل تؤمّن أيضًا دعمًا عملياتيًّا للقوات البرية”. وبحسبه، يسمح موقع مثل علي الطاهر بمتابعة التحرّكات في كامل القطاع، ودعم أي انتشار مدرّع محتمل في محيط النبطية، إلى جانب تعزيز القدرة على التأثير في محاور الحركة المحيطة. ويشدّد على أنّ المرتفعات تبقى ذات قيمة استراتيجية أساسية، على الرغم من تطوّر استخدام المسيّرات، بفعل السيطرة الميدانية المباشرة التي) تؤمنها.
وبعيدًا عن موقعها الجغرافي، تُعتبر علي الطاهر أيضًا منطقة ذات كثافة عسكرية عالية. فبحسب المصدر، تضم المنطقة حاليًّا شبكة واسعة من الأنفاق، فضلًا عن مخزن من أبرز مخازن أسلحة حزب الله في منطقة النبطية، ما يشكّل نقاط انتشار واختباء منذ سنوات.
العودة إلى أرض محتلة أصلًا
يكتسب هذا التطور بُعدًا إضافيًّا من خلال خلفيته التاريخية. فبين عامَيْ 1982 و2000، وفي خلال فترة الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، شكّلت مرتفعات علي الطاهر جزءًا من “المنطقة الأمنية”، واندمجت ضمن منظومة السيطرة الإسرائيلية. وقد استُخدمت آنذاك كنقطة مراقبة متقدمة لرصد التحركات في المنطقة، وحماية المحاور التي تربط المواقع العسكرية الإسرائيلية في الشريط المحتل.
وقامت أصلًا الاستراتيجية العسكرية في تلك المرحلة على السيطرة على المرتفعات لتعويض هشاشة الانتشار في الوديان والبلدات المحيطة. ومع الانسحاب الإسرائيلي في أيار 2000، انتهى الوجود الميداني في الموقع، غير أنّ قيمة التلة الاستراتيجية لم تتراجع. بل بقيت علي الطاهر، على مدى السنوات، نقطة حاضرة في التقديرات العسكرية الإسرائيلية، وفي القراءات المتعلقة ببنية حزب الله في جنوب لبنان.
وبعد ستة وعشرين عامًا، يعكس تجدّد الاشتباكات في هذه المنطقة استمرار بعض ثوابت الصراع الجغرافية. فالتضاريس عينها لا تزال تؤطر الحسابات العسكرية لدى الطرفين، بمعزل عن التحوّلات السياسية أو التّكنولوجية.
مواضيع ذات صلة :
كهرباء لبنان تعيد التغذية إلى النبطية بعد إصلاح الأعطال | بلدية النبطية للمواطنين: لعدم التوجه إلى المدينة | غارات عنيفة تستهدف النبطية والبقاع |




