هرمز يقلب المعادلة… ويُسقط الكرة في ملعب الحلفاء

تحكم حسابات الرئيس دونالد ترامب الانتخابية والسياسية جزءًا أساسيًّا من هذا التحوّل. فأيّ اضطراب كبير في إمدادات الطاقة ينعكس مباشرةً على الداخل الأميركي، اقتصاديًّا وانتخابيًّا، مع اقتراب الانتخابات النّصفية بعد أشهر. دفعت هذه الوقائع ترامب إلى تغليب الواقعيّة السياسيّة على منطق الحسم العسكري، واعتماد المفاوضات وسيلةً لإدارة الأزمة لا لإنهائها.
كتب طوني كرم لـ”هنا لبنان”:
في لحظات التحوّلات الكبرى، لا تُقاس السياسات بحجم الشعارات، بل بميزان المصالح وبما يُعاد ترتيبه خلف الأبواب المغلقة. هذه القاعدة تحديدًا تُعيد إلى الواجهة مقولة الرئيس الأميركي الأسبق أبراهام لينكولن حين قال: “ألا أقضي على أعدائي عندما أحوّلهم إلى أصدقاء؟”. تختصر هذه العبارة جوهر البراغماتية السياسية التي تحكم اليوم مسار العلاقة الأميركية ـ الإيرانية، في ظلّ مؤشرات متزايدة إلى انتقال واشنطن من سياسة الاحتواء الصارم إلى إدارة التوازن مع طهران، وفق قواعد اشتباك تخدم المصالح الأميركية العليا فقط.
أمضت الولايات المتحدة سنوات في سياسة العقوبات ومحاولة تطويق إيران، لكنّها تبدو اليوم أقرب إلى الاعتراف بمحدوديّة تلك المقاربة. هذا التحوّل لا يعكس انتصارًا إيرانيًا بقدر ما يكشف أنّ كلفة كسر طهران باتت أعلى من كلفة احتوائها، خصوصًا بعد الانخراط المباشر في الحرب عليها. فرض هذا الواقع على الشرق الأوسط مرحلة إعادة تموْضع واسعة، لا تقتصر على خرائط النفوذ التقليدية، بل تمتدّ إلى معادلات الطّاقة والأمن والممرّات البحرية.
نجحت إيران في قلب هذه المعادلة، عبر تحويل مكامن ضعفها العسكري إلى عناصر قوة، مستثمرةً ورقة مضيق هرمز بوصفه أحد أكثر مفاتيح الضغط حساسيّة على المستوى الدولي. لا تقوم قوة هذه الورقة على السيطرة العسكرية المباشرة، بل على القدرة على التأثير في أمن الملاحة العالمية، بما يحمله ذلك من تداعيات على سوق النفط والاقتصاد الدولي.
تحكم حسابات الرئيس دونالد ترامب الانتخابية والسياسية جزءًا أساسيًّا من هذا التحوّل. أي اضطراب كبير في إمدادات الطاقة ينعكس مباشرة على الداخل الأميركي، اقتصاديًّا وانتخابيًّا، مع اقتراب الانتخابات النّصفية بعد أشهر. دفعت هذه الوقائع ترامب إلى تغليب الواقعيّة السياسيّة على منطق الحسم العسكري، واعتماد المفاوضات وسيلةً لإدارة الأزمة لا لإنهائها.
ارتبط هذا التحوّل برسالة سياسية واضحة وجّهها ترامب إلى الحلفاء، ولا سيما الأوروبيين. خلف موقفه من رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، برزت رسالة مباشرة المعنى: “عندما كانت المواجهة الكاملة مع إيران مشتعلة، فضّل الكثيرون التراجع ورفضوا تحمّل الكلفة العسكرية والسياسية. تركتموني وحدي في لحظة الحرب، واليوم لم يعد من حقّكم الاعتراض على شروط التسوية. بهذا المعنى، رمى ترامب كرة إعادة تعويم إيران في ملعب حلفائه: تأقلموا مع الواقع الجديد”.
تحمل هذه المقاربة أثمانًا إقليميّةً واضحةً. فرفع مستوى التفاوض الندّي مع طهران، أو تخفيف الضغوط عنها، يمنحها هامشًا أوسع لإعادة ترتيب أوراقها الإقليمية، من العراق إلى سوريا ولبنان وصولًا إلى الخليج. ويُثير هذا التحوّل قلقًا متزايدًا لدى العواصم العربية الساعية إلى السلام، والتي ترى في أي تسوية غير متوازنة تكريسًا لنفوذ إيران وأذرعها، لا احتواءً لها.
يُشكّل لبنان إحدى أكثر الساحات تأثرًا بهذا التحوّل. فلم يعد مجرّد ساحة نفوذ إيراني تقليدية، بل تحوّل إلى جزءٍ من سلّة التفاوض الكبرى. وتبدو التهدئة الجنوبية أو الترتيبات الأمنيّة مع إسرائيل تفصيلًا ضمن معادلة أكبر تتحكّم بها واشنطن وطهران. وبات القرار اللبناني مرتبطًا بشكل مباشر بمآلات هذه التسوية الإقليمية المفتوحة.
تكمن المفارقة في أنّ اتساع مساحة التفاوض الأميركي ـ الإيراني يقابله تراجع متزايد في هامش ودور الدولة اللبنانية. وأضحى ربط السّاحات جزءًا من استراتيجية طهران، بحيث يتداخل أمن الملاحة في هرمز مع التصعيد في جنوب لبنان والتوتّر في البحر الأحمر ضمن سلّة تفاوض واحدة.
تكشف هذه اللحظة عن حقيقة أكثر خطورة: التسويات التي تُبنى على الضرورة لا على الحسم تحمل في داخلها بذور انفجارها المقبل. وقد تمنح إعادة تعويم إيران استقرارًا مؤقتًا للمنطقة، لكنّها في المقابل تُعيد إنتاج الأسباب نفسها التي فجّرت أزماتها خلال العقديْن الأخيريْن. ويبقى لبنان، كعادته، أوّل مَن يدفع الثمن وآخر مَن يُؤخذ رأيه. الرهان الفعلي لم يعد على مآلات الصفقة وحدها، بل على قدرة المعنيين في الداخل على انتزاع مساحة قرار تحمي لبنان من أن يتحوّل، مرةً جديدةً، من دولة تبحث عن خلاصها إلى بند مؤجّل في تسوية تُصاغ بعيدًا عنه وعن سعيه إلى إرساء أسس سلام المنطقة وأمنها.
مواضيع مماثلة للكاتب:
المعادلة الساقطة: سوق المقايضات الكبرى… ولبنان | الرئيس وحده لا يكفي! | قلعة الشقيف… والمُعادلة الأليمة! |




