حين تتحول الرسائل العسكرية الإيرانية إلى قرار حرب

قد تُصنّف الأيام القليلة المقبلة كواحدة من أكثر الفترات حرجاً وخطورة في تاريخ المنطقة منذ عقود، فحرب بهذا الحجم وهذه الكثافة النارية لن تظلّ بأي حال من الأحوال حبيسة الحدود الجغرافية لإيران، بل ستتطاير شراراتها سريعاً لتضرب أمن الملاحة والتجارة البحرية العالمية، وتحدث زلزالاً عنيفاً في أسواق النفط والطاقة والاقتصادات الإقليمية، وصولاً إلى إعادة صياغة خرائط النفوذ وتوازنات السيادة في الشرق الأوسط بأسره
كتب جوني فتوحي لـ”هنا لبنان”:
في الشرق الأوسط، ثمة لحظات مفصلية فارقة لا تعود فيها الرسائل العسكرية والمناورات الميدانية مجرد أدوات ضغط تكتيكية لتعديل شروط التفاوض الدبلوماسي، بل تتحول صراحة إلى إعلان استراتيجي عن الانتقال النهائي من مرحلة ضبط النفس وقواعد التهدئة إلى مربع المواجهة المباشرة والمفتوحة. وما أقدمت عليه إيران مؤخراً عبر تعمّد توسيع دائرة المواجهة الإقليمية وتحريك ذراعها الحوثية في اليمن لتهديد حركة الملاحة والتجارة الدولية في مضيق باب المندب الحيوي يُقرأ في أروقة القرار الدولي على أنه تجاوز صريح وجسيم لخطوط حمراء كانت واشنطن تعتبرها، حتى الأمس القريب، جزءاً لا يتجزأ من قواعد الاشتباك الضمنية والتوازنات غير المعلنة التي حظرت المساس بها.
وإذا ما استقرت قناعة الإدارة الأميركية على أنّ طهران قد انتقلت بالفعل من سياسة المناورة وتقطيع الوقت إلى فرض سياسة أمر واقع تهدف إلى كسر التوازنات الإقليمية، فإنّ الرد الأميركي لن يبقى بأي حال من الأحوال محصوراً في ضربات موضعية موجهة أو رسائل تحذيرية محدودة. بل سيتّخذ، على الأرجح، شكل حملة عسكرية وازنة وشاملة تستهدف شل البنية التحتية العسكرية والاقتصادية في عمق الداخل الإيراني؛ بما يشمل مراكز القيادة والسيطرة التابعة للحرس الثوري، ومنشآت التصنيع الباليستي والنووي، إضافة إلى العصب الحيوي لشبكات الطاقة والمرافئ الاستراتيجية، لتجريد النظام من أدوات نفوذه الإقليمية ومصادر تمويله الحيوية.
وفي واشنطن، يبدو أنّ الرئيس دونالد ترامب بات يقترب حثيثاً من لحظة اتخاذ القرار التاريخي الحاسم، حيث تتراجع القيمة السياسية للتحذيرات الشفهية والدبلوماسية لمصلحة الخيارات الميدانية الفاقعة والحلول العسكرية الصارمة. وفي هذه الحالة، لن يكون الهدف الأميركي مجرد توجيه ضربة تأديبية أو استعراض للقوة، بل فرض معادلة ردع جديدة وغير مسبوقة تجعل الكلفة المباشرة لأي تصعيد إيراني قادم أعلى بكثير من قدرة النظام في طهران على الاحتمال أو امتصاص الصدمة.
إنّ الأيام القليلة المقبلة قد تصنف كواحدة من أكثر الفترات حرجاً وخطورة في تاريخ المنطقة منذ عقود، فحرب بهذا الحجم وهذه الكثافة النارية لن تظلّ بأي حال من الأحوال حبيسة الحدود الجغرافية لإيران، بل ستتطاير شراراتها سريعاً لتضرب أمن الملاحة والتجارة البحرية العالمية، وتحدث زلزالاً عنيفاً في أسواق النفط والطاقة والاقتصادات الإقليمية، وصولاً إلى إعادة صياغة خرائط النفوذ وتوازنات السيادة في الشرق الأوسط بأسره. وفي خضم هذه اللحظات الداهمة والحاسمة، لا يعود السؤال الفعلي يتعلق بما إذا كانت الحرب ستقع أم لا، بل يتحول إلى السؤال الأكثر رعباً وتعقيداً: إذا اشتعلت الشرارة الأولى، فأين وكيف ستتوقف؟
مواضيع مماثلة للكاتب:
لماذا تُقلق زيارة الرئيس عون أصحاب “سلاح الأمر الواقع”؟ | واشنطن ترسم خطوط الحسم الإقليمي | حلقة الحروب المفرغة: كيف يدفع لبنان ثمن مغامرات حزب الله؟ |




