لماذا تُقلق زيارة الرئيس عون أصحاب “سلاح الأمر الواقع”؟

اللقاء في البيت الأبيض يكرس الاعتراف الدولي بالمؤسسات الشرعية كشريك حصري يمثل الإرادة اللبنانية، فقنوات التواصل والتفاهم لم تعد مرغمة على المرور عبر موازين قوى الأمر الواقع التي حاولت مصادرة القرار الوطني لعقود طويلة، وباتت كل خطوة تخطوها الشرعية نحو تثبيت القرار اللبناني المستقل واستعادة الدور السيادي للدولة، تعني تلقائياً انكماشاً لمعادلة احتكار القرار الوطني وتراجعاً للرهانات الإقليمية التي اقتاتت طويلاً على تغييب مؤسسات الدولة الرسمية
كتب جوني فتوحي لـ”هنا لبنان”:
تبدو محاولات التشكيك والتشويش التي قادها حزب الله ضد زيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى الولايات المتحدة أقرب إلى المأزق السياسي منها إلى الموقف المبدئي؛ فكلما ارتفع ضجيج الحملات الإعلامية الاستباقية، تأكد للرأي العام الداخلي والدولي أنّ الزيارة أصابت أهدافها الاستراتيجية، لكونها تجسد أول العودة الفعلية للبنان إلى المخاطبة الرسمية لعواصم القرار بلغة الدولة وبقرار سيادي خالص.
فهذه الزيارة لا تندرج ضمن الأطر البروتوكولية كزيارة دولة ولا في خانة الزيارات الخاصة، بل هي زيارة عمل تنفيذية تحمل جدول أعمال واضح المعالم، يهدف بالدرجة الأولى إلى تثبيت موقع لبنان الشرعي على خريطة التوازنات في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، وهو ما يفسر ارتباك المحاور الموازية التي تحاول تقزيم حدث سيادي يصعب القفز فوق دلالاته.
أول المظاهر السياسية اللافتة تمثل في تعديل جدول أعمال الإدارة الأميركية، حيث أرجأ وزير الخارجية ماركو روبيو زيارته المقررة إلى الفيليبين ليكون حاضراً شخصياً في لقاءات الرئيس عون، في رسالة واضحة الدلالة تعكس حجم الاهتمام الأميركي بإعادة إنتاج وتطوير العلاقة المباشرة مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها الدستورية دون وسطاء.
ويتعدى هذا الاهتمام الدبلوماسي الشق السياسي ليمسّ عمق المؤسسة العسكرية، إذ تحمل الزيارة أبعاداً استراتيجية ترتبط بتعزيز قدرات الجيش اللبناني، باعتباره الركيزة الأساسية لحفظ الأمن وحماية السيادة والتنفيذ الميداني لترتيبات جنوب الليطاني. فالإصرار الأميركي على استضافة رأس الهرم السياسي والعسكري السابق يبعث برسالة حاسمة مفادها أنّ الاستثمار الدولي الحقيقي سيكون حصراً في المؤسسات الشرعية القادرة على فرض منطق القانون واحتكار السلاح.
أما اللقاء في البيت الأبيض، فيتجاوز في عمقه الاعتبارات الشكلية ليكرس الاعتراف الدولي بالمؤسسات الشرعية كشريك حصري يمثل الإرادة اللبنانية، مؤكداً أنّ قنوات التواصل والتفاهم لم تعد مرغمة على المرور عبر موازين قوى الأمر الواقع التي حاولت مصادرة القرار الوطني لعقود طويلة.
أمام هذه التحولات، يتبلور سبب الانفعال الحاد الذي سبق هذا الاستحقاق، إذ إنّ كل خطوة تخطوها الشرعية نحو تثبيت القرار اللبناني المستقل واستعادة الدور السيادي للدولة، تعني تلقائياً انكماشاً لمعادلة احتكار القرار الوطني وتراجعاً للرهانات الإقليمية التي اقتاتت طويلاً على تغييب مؤسسات الدولة الرسمية.
مواضيع مماثلة للكاتب:
واشنطن ترسم خطوط الحسم الإقليمي | حلقة الحروب المفرغة: كيف يدفع لبنان ثمن مغامرات حزب الله؟ | عقم الستّين يومًا وفرضيّة “الاصطدام المباشر” |




