واشنطن ترسم خطوط الحسم الإقليمي

المعركة الأشدّ ضراوة تدور اليوم في الكواليس وداخل بنية النظام الإيراني نفسه؛ حيث يبرز انقسام حادّ حول هوية التيّار الذي سينتصر في صياغة القرار النهائي؛ فمن جهة يبرز تيّار التسوية والواقعيين الذين يدركون بعمق حجم وطبيعة التحوّلات الإقليمية والدولية الراهنة، ومن جهة أخرى يتمترس أصحاب الرّهانات القديمة القائمة على فرضيّة أنّ الولايات المتحدة لا تملك القدرة أو الرغبة في الذهاب بعيدًا نحو الخيار العسكري المباشر.
كتب جوني فتوحي لـ”هنا لبنان”:
تتصرّف الولايات المتحدة على قاعدة واضحة وصارمة تتمثّل في ممارسة الضغط المتدرّج وصولًا إلى الشلل الكامل لكافة مفاصل النظام الإيراني؛ إذ لم تعد الضربات العسكرية المتناثرة أو المحدودة هي الهدف النهائي للإدارة الأميركية، بل إعادة رسم حدود القوة الإيرانية في المنطقة بشكل جذري، ودفع طهران دفعًا نحو لحظة الاختيار الحاسمة بين إبرام تسوية شاملة بشروط جديدة أو مواجهة سيناريو المواجهة الشاملة المفتوحة على كل الاحتمالات.
وتشير التقديرات إلى أنّ الأسابيع المقبلة قد تحمل تصعيدًا عسكريًا واسع النطاق إذا لم تعد إيران إلى طاولة المفاوضات بقرار سياسي واضح وثابت لا لبس فيه، يتضمّن وقفًا فوريًا لتهديد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الاستراتيجي، والانخراط المباشر في مسار إخراج اليورانيوم عالي التخصيب من أراضيها، مع تجميد كامل لبرنامجها النووي وصولًا إلى تفكيك عناصره العسكرية والاستراتيجية المهددة للأمن الإقليمي والدولي. وبالنسبة إلى صنّاع القرار في واشنطن، فإنّ هذا المسار الحاسم قد أصبح باتجاه واحد، وبلا أي خطوط للعودة إلى الوراء أو القبول بأنصاف الحلول.
غير أنّ المعركة الأشدّ ضراوة تدور اليوم في الكواليس وداخل بنية النظام الإيراني نفسه؛ حيث يبرز انقسام حادّ حول هوية التيّار الذي سينتصر في صياغة القرار النهائي؛ فمن جهة يبرز تيّار التسوية والواقعيين الذين يدركون بعمق حجم وطبيعة التحوّلات الإقليمية والدولية الراهنة، ومن جهة أخرى يتمترس أصحاب الرّهانات القديمة القائمة على فرضيّة أنّ الولايات المتحدة لا تملك القدرة أو الرغبة في الذهاب بعيدًا نحو الخيار العسكري المباشر، وأنّ النظام يمتلك من أدوات المرونة والتحمّل ما يكفيه لامتصاص الضربات المتتالية وضمان البقاء.
وفي موازاة هذا التجاذب الداخلي، برز تطورٌ إقليمي بالغ الأهمية تمثل في انكفاء الوسطاء التقليديين، وفي مقدمتهم الدوحة، عن لعب دور عرّاب التهدئة، بالتزامن مع الاتجاه المتسارع نحو بلورة وتكريس موقف خليجي موحد وأكثر حزمًا في مواجهة الطموحات الإيرانية؛ وهو ما يؤسّس لمشهد إقليمي جديد بالكامل، تكون فيه طهران بمفردها في مواجهة استحقاقات كبرى، لتبدو الأيام المقبلة حبلى بتحولات جذرية لا يشبه ما بعدها ما قبلها على الإطلاق.
مواضيع مماثلة للكاتب:
حلقة الحروب المفرغة: كيف يدفع لبنان ثمن مغامرات حزب الله؟ | عقم الستّين يومًا وفرضيّة “الاصطدام المباشر” | “الحزب” في مواجهة “المناطق التجريبيّة”! |




