“الحزب” في مواجهة “المناطق التجريبيّة”!

يجد “الحزب” نفسه أمام مأزق مركّب. فبعد إخفاقه في استنساخ تجارب الماضي عبر تحريك الشارع واستخدامه أداةً ضاربةً لإسقاط التسويات، اضطرّ إلى تعديل تكتيكاته واللجوء إلى خيار “التعطيل الميداني”.
كتب جوني فتوحي لـ”هنا لبنان”:
بلغت حرارة المسار التفاوضي بين واشنطن وطهران أعلى مستوياتها، في انعكاساتها المباشرة على المشهد اللبناني، إذ أرست هذه الديناميكية واقعاً سياسياً جديداً سدّ المنافذ أمام أي محاولة إيرانية للتسلل خلسة إلى تفاصيل الملف اللبناني، أو العبث بمسار التفاوض اللبناني – الإسرائيلي الذي يحظى برعاية أميركية صارمة. وقد فرض هذا السقف الدولي المرتفع إيقاعه على الفاعلين المحليين، وجرّد طهران من هوامش المناورة المعتادة لتوظيف الساحة اللبنانية صندوقَ بريدٍ لتعزيز أوراقها الإقليمية.
وعلى الرقعة الداخلية، بدا لافتاً انكفاء رئيس مجلس النواب نبيه بري نصف خطوة تكتيكية إلى الوراء، مبتعداً عن حافة التصعيد المفتوح، ومفسحاً المجال أمام النقاش السياسي حول “صيغة الإطار”. ويبعث هذا التموضع المستجدّ بإشارة واضحة مفادها أن التلويح بمعركة دستورية كبرى ليس سوى زوبعة في فنجان، فاتفاق الإطار، بطبيعته القانونية، ليس معاهدةً دوليةً مبرمةً ولا اتفاقاً ناجزاً يستوجب آليات تصديق إلزامية، بل هو مسار سياسي وتفاوضي. وعليه، فإن ما نشهده من مبارزات كلامية واشتباكات مفتعلة بين الحكومة والبرلمان لا يعدو كونه محاولة لرفع السقوف السياسية وتحسين شروط التفاوض الداخلي، في غياب أي مسوّغ قانوني يبرّر تفجير الهيكل الدستوري.
في المقابل، يجد “حزب الله” نفسه أمام مأزق مركّب. فبعد إخفاقه في استنساخ تجارب الماضي عبر تحريك الشارع واستخدامه أداةً ضاربةً لإسقاط التسويات، اضطر إلى تعديل تكتيكاته واللجوء إلى خيار “التعطيل الميداني”. وتتركز خطة الحزب الحالية على زرع الألغام في طريق التنفيذ العملي، وتحديداً من خلال استهداف وعرقلة العمل في النقاط الجغرافية التي تُصنَّف بوصفها “مساحات تجريبية”، سعياً إلى إفشال النموذج الاستقراري قبل تعميمه.
وأمام هذا الضخّ التعطيلي، تتصاعد الضغوط لفرض إيقاع التنفيذ السريع، والشروع فوراً في تطبيق الترتيبات المتدرّجة داخل تلك النقاط التجريبية، تماماً كما نصّت عليها الرعاية الدولية. ويضع هذا الواقع المؤسّسة العسكرية اللبنانية أمام اختبار وطني حاسم ومسؤولية تاريخية مباشرة، إذ بات لزاماً على الجيش اللبناني الانتشار الفوري وتسلّم زمام المبادرة في كلّ بقعة تنسحب منها القوات الإسرائيلية.
في المُحصلة، يتبلور المشهد بوضوح تام: الدولة، بكل مؤسساتها، تقف اليوم في قلب الاختبار الأصعب، فيما يعيش نهج التعطيل عزلةً محاصرةً، ولو مؤقتاً، لتبقى المعركة الفاصلة رهن الانطلاقة الأولى لتطبيق خطة “المناطق التجريبية”، وهي الانطلاقة التي يحشد “حزب الله” كامل أدواته لنسفها في مهدها، منعاً لاكتمال مشهد عودة الدولة إلى أطرافها.
مواضيع مماثلة للكاتب:
مأزق “الحزب”: حين تُنهي التفاهمات زمن “الساحات” | ساعة الحقيقة في قصر بعبدا | لماذا ترتعد طهران من فكرة “ما بعد الحرب”؟! |




