عقم الستّين يومًا وفرضيّة “الاصطدام المباشر”

تبدو جهود الوساطة الدبلوماسية الحثيثة التي تقودها عواصم إقليمية ودولية، مثل الدوحة وإسلام آباد، مجرّد محاولات خجولة لتقطيع الوقت المستقطع وتبريد الرؤوس الحامية، لن تفضي -في أفضل أحوالها السياسية الممكنة- إلّا إلى تمديد جولات حوار عقيم يدور في حلقةٍ مفرغةٍ منذ سنوات طويلة دون طائل.
كتب جوني فتوحي لـ”هنا لبنان”:
لم تعد المهلة الزمنية المحدّدة بستين يومًا بين واشنطن وطهران تفتح أفقًا حقيقيًّا للتسوية أو تمنح تفاؤلًا بالانفراج السياسي، بل تحوّلت سريعًا، وبشكلٍ دراماتيكي، إلى عدٍّ تنازلي يمهّد الطريق لجولة عنف باليستية الأبعاد عابرة للحدود. فقد انزلقت العلاقات الأميركية – الإيرانية كليًّا من قنوات الدبلوماسية الخلفيّة واللقاءات السرية المقفلة إلى مربع الضربات الأمنية المتبادلة والرسائل الاستخباراتية المتفجّرة في أكثر من ساحة، والتي بلغت ذروتها غير المسبوقة مع الكشف عن مخطّطات ومؤامرات إيرانية طموحة لاستهداف الرئيس دونالد ترامب؛ وهو تحوّل جوهري يعكس بوضوح شديد خطورة المنعطف الذي بلغه الكباش الراهن، وعمق التوتّر الذي بات يحكم المشهد في الإقليم.
وفي قراءةٍ متأنيةٍ لموازين القوى الميدانية والسياسية، لا تزال طهران تتمسّك بسقوفها التفاوضية المرتفعة بشدة، رافضةً تقديم أي تنازلات وازنة أو جوهرية إلى الجانب الأميركي، فمضيق هرمز يمثّل، في عقيدتها العسكرية والأمنية، خط دفاع استراتيجيًّا لا بديل عنه، وورقة ضغط حيوية ومباشرة على إمدادات الطاقة العالمية والأسواق الدولية، لا يمكن، تحت أي ظرف، التفريط بها. بينما يُدار الملف اللبناني السّاخن من قبلها باعتباره حجر الزاوية في منظومة النفوذ والرّدع الإقليمية التابعة للحرس الثوري، والتي ترفض طهران، بشكلٍ مُطلقٍ، إخراجها من بازار المساومات السياسية وعمليّات المقايضة. أمّا الانتقال الفعلي إلى البحث الجدّي والعميق في تفكيك البرنامج النووي ذي الأبعاد العسكرية، فما زال يقبع خارج الحسابات الحالية وخلف الخطوط الحمراء التي رسمتها القيادة الإيرانية.
وفي المقلب الآخر، تجد إدارة الرئيس دونالد ترامب نفسها أمام اختبار استراتيجي معقّد وتحدٍّ يمسّ الوجدان السياسي، تتنازعه رغبتان متناقضتان: الأولى تتجسّد في تجنّب الانزلاق غير المحسوب نحو مستنقع حرب إقليمية استنزافية واسعة النطاق، والثانية تفرضها ضرورة ردع السلوك الإيراني بحسم وقوة، ومنع طهران من فرض وقائع جيوسياسية وميدانية جديدة تُخلّ بالتوازنات التاريخية الحاكمة للمنطقة.
وحيال هذا الانسداد الشامل، تبدو جهود الوساطة الدبلوماسية الحثيثة التي تقودها عواصم إقليمية ودولية، مثل الدوحة وإسلام آباد، مجرّد محاولات خجولة لتقطيع الوقت المستقطع وتبريد الرؤوس الحامية، لن تفضي -في أفضل أحوالها السياسية الممكنة- إلّا إلى تمديد جولات حوار عقيم يدور في حلقةٍ مفرغةٍ منذ سنوات طويلة دون طائل. وبناءً على هذه المعطيات المتشابكة والصعبة، يجد الشرق الأوسط نفسه اليوم أسير سيناريوهَيْن حتميَّيْن لا ثالث لهما: فإمّا الاستمرار الطويل في دوامة الاستنزاف والنزيف المضبوط تحت شعار “لا حرب ولا سلم”، مع الحفاظ العسكري الهشّ على قواعد الاشتباك المعمول بها، وإمّا الانفجار الكبير الشامل والذّهاب الحتمي نحو مواجهة عسكرية واسعة ومدمّرة، وهي مواجهة لم تعد تُقرأ اليوم في سياق التهويل الإعلامي أو المبالغة السياسية، بل أصبحت احتمالًا واقعيًّا داهمًا مفتوحًا على جميع السيناريوهات العسكرية والأمنية الصادمة والمفاجئة.
مواضيع مماثلة للكاتب:
“الحزب” في مواجهة “المناطق التجريبيّة”! | مأزق “الحزب”: حين تُنهي التفاهمات زمن “الساحات” | ساعة الحقيقة في قصر بعبدا |




