تفتيش المنازل في الجنوب… الجيش اللبناني ينفذ القانون ويكرّس سيادة الدولة

فرضت التطورات التي أعقبت الحرب، من استخدام بعض المنازل كمستودعات للأسلحة والذخائر ووجود مداخل أنفاق أسفلها، واقعاً جديداً، وأدت إلى طرح مطلب يقضي بالسماح للجيش بتفتيش مواقع محددة وهو ما رفضه الجيش في البداية لغياب السند القانوني، وبعد مشاورات جرى التوصل إلى صيغة قانونية تقوم على منح النيابة العامة الأذونات اللازمة في حالات محددة بما يوفّر الغطاء القضائي المطلوب
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
لم يعد الحديث عن عمليات تفتيش الجيش اللبناني للقرى والبلدات الجنوبية مجرد نقاش قانوني أو سياسي، بل بات يشكل محطة مفصلية في مسار تعزيز سلطة الدولة وترسيخ سيادتها على كامل أراضيها. فمع توسع انتشار المؤسسة العسكرية في الجنوب، تتولى وحدات الجيش تنفيذ مهامها انطلاقاً من مسؤوليتها الدستورية في حفظ الأمن وتطبيق القوانين، ضمن الأطر القانونية والقضائية التي تنظم عملها.
وفي الإطار، يقول الكاتب والصحافي السياسي آلان سركيس إنّ ملف المناطق النموذجية يشكل الامتحان الحقيقي للدولة اللبنانية، لأنه يكشف مدى التزامها بتنفيذ اتفاق الإطار، مشيراً إلى أنّ الاتفاق لم يكن مجرد تفاهم سياسي، بل تضمن تعهدات واضحة يفترض أن تُترجم إلى خطوات عملية على الأرض.
ويضيف أنّ تنفيذ الاتفاق يبدأ من الانسحابات المتبادلة وانتشار الجيش اللبناني، معتبراً أنّ ما تقوم به المؤسسة العسكرية اليوم هو جزء أساسي من استعادة سلطة الدولة. ويؤكد أنّ تفتيش القرى والمنازل التي يدخلها الجيش هو إجراء طبيعي يندرج ضمن صلاحياته القانونية، ولا يمكن اعتباره تعدياً على الحريات أو الملكيات الخاصة، بل هو تطبيق للقانون في مناطق كانت خارج سلطة الدولة لسنوات طويلة.
ويشير سركيس إلى أنّ المشكلة لم تكن يوماً في الجيش اللبناني، بل في القرار السياسي الذي تأخر في توفير الغطاء اللازم للمؤسسة العسكرية. ويقول إنه بمجرد اتخاذ هذا القرار، بدأ الجيش بتنفيذ مهامه على الأرض، معتبراً أنّ هذه الخطوات يجب أن تستمر حتى استكمال فرض سيادة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.
ويتابع أنّ حزب الله لم يكتفِ، بحسب رأيه، بالسيطرة على القرار الأمني في الجنوب، بل أقام بنية عسكرية واسعة فوق الأرض وتحتها، ووصل حضوره إلى داخل الأحياء السكنية. ويلفت إلى أنّ أبناء الجنوب تحدثوا مراراً عن انتشار مخازن الأسلحة والذخائر بين المنازل، وهو ما سبق أن حذر منه البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي منذ سنوات.
ويعتبر سركيس أنّ عمليات التفتيش التي ينفذها الجيش لا تهدف فقط إلى تطبيق القانون، بل أيضاً إلى حماية المدنيين من مخاطر وجود الأسلحة والذخائر داخل القرى، لافتاً إلى أنّ هذه المستودعات تحولت إلى قنابل موقوتة تهدد السكان، في ظل استمرار الاستهداف الإسرائيلي لأي موقع يُشتبه باستخدامه لأغراض عسكرية.
ويختم بالقول إنّ ما يقوم به الجيش اللبناني يشكل خطوة تاريخية في مسار استعادة الدولة لسيادتها، مؤكداً أنّ المؤسسة العسكرية تحتاج إلى غطاء سياسي كامل لإنجاز مهمتها وعدم تركها تواجه هذا الاستحقاق بمفردها. ويرى أنّ حماية الجنوب والجنوبيين تمر عبر ترسيخ سلطة الدولة وحصرية السلاح بيدها، محملاً حزب الله مسؤولية ما شهده الجنوب من دمار وما استجلبه من حروب واحتلال.
وفي مقابل المقاربة السياسية التي يقدمها آلان سركيس، يركز المحلل السياسي جوني منير على الإطار القانوني الذي يحكم عمليات التفتيش وآلية تنفيذها.، لافتاً إلى أنّ ما يجري اليوم يختلف عن الآلية التي كانت معتمدة سابقاً، ولا سيما في منطقة جنوب الليطاني.
ويشير منير إلى أنه خلال المرحلة السابقة، كان الجيش اللبناني يمتنع عن دخول المنازل لعدم امتلاكه الغطاء القانوني الذي يجيز ذلك، إذ إنّ القانون لا يسمح بتفتيش أي منزل من دون موافقة أصحابه أو وجود إذن قضائي، وهو ما أدى في حالات كثيرة إلى تعذر تنفيذ عمليات التفتيش بسبب رفض بعض الأهالي.
ويضيف أنّ التطورات التي أعقبت الحرب، وما رافقها من ادّعاءات إسرائيلية بشأن استخدام بعض المنازل كمستودعات للأسلحة والذخائر ووجود مداخل أنفاق أسفلها، فرضت واقعاً جديداً، وأدت إلى طرح مطلب يقضي بالسماح للجيش بتفتيش مواقع محددة.
وبحسب منير، فإنّ الجيش اللبناني رفض في البداية تنفيذ هذا المطلب لغياب السند القانوني، وأكد أنه لا يستطيع التحرك من دون قرار قضائي. وبعد مشاورات، جرى التوصل إلى صيغة قانونية تقوم على منح النيابة العامة الأذونات اللازمة في حالات محددة، بما يوفّر الغطاء القضائي المطلوب.
ويكشف منير أنّ الوفد العسكري اللبناني رفض إدراج هذا الإجراء كبند إلزامي ضمن المفاوضات التي جرت في واشنطن، إلا أنه تم التوصل إلى تفاهم جانبي يقضي بأنه في حال ورود تأكيد من جهة ثالثة، ولا سيما الولايات المتحدة، حول ضرورة تفتيش موقع معين، يمنح القضاء اللبناني الإذن للجيش لتنفيذ المهمة.
وفي معرض تفسيره لحملة الانتقادات التي طالت المؤسسة العسكرية، يرى منير أنّ الجيش حرص على ألا يتحول تفتيش المنازل إلى إجراء مفتوح أو شامل، بل أصر على أن يتم ضمن ضوابط قانونية وبموجب قرارات قضائية، وهو ما يجعله يتحرك تحت مظلة القضاء وليس بقرار منفرد منه.
ويؤكد أنّ عمليات التفتيش، وفق هذه الآلية، لن تشمل جميع المنازل، وإنما ستقتصر على مواقع محددة تستدعيها المعطيات المتوافرة، بما ينسجم مع الأطر القانونية المعتمدة.
ويؤكد منير أنّ الجيش اللبناني يتعامل مع عمليات التفتيش بوصفها مسؤولية وطنية بالغة الحساسية، لا يمكن تنفيذها إلا ضمن غطاء سياسي وقضائي واضح، بما يضمن تطبيق القانون والحفاظ على الاستقرار، ويجنّب المؤسسة العسكرية أي احتكاك غير ضروري مع الأهالي أثناء تنفيذ مهامها.
ويختم منير بالتأكيد أن المؤسسة العسكرية لا تستطيع الإقدام على خطوة بهذا الحجم من دون غطاء سياسي واضح من الحكومة وغطاء قضائي متكامل، لأن أي تحرك يفتقر إلى هذين العنصرين قد يعرّض الجيش لتداعيات ميدانية وسياسية معقدة.




