هل تنجح “المقاومة” حيثما فشلت الثورة؟


أخبار بارزة, خاص 18 كانون الأول, 2021

كتب طوني عطية لـ”هنا لبنان”:
في جمهورية الهاوية اللبنانية، صاحبة “المفاجآت” الدائمة، حيث السلطة التي لا مثيل لها في الدنيا، تشنّ مع كل “شرقة شمس”، الحرب على أبنائها وعلى ذاتها، ففي كلّ يوم ضربة جديدة، تطال فيها حقوق مواطنيها من جهة، واستهداف أفظع لعلّة وجودها ومفهوم نشأة الدولة من جهة أخرى! فلا السيادة في عبّها ولا الرغيف في بطون شعبها. تنازلت عن كرامتها للميليشيا والمافيات، لتسلب كرامة الإنسان كتعويض لها عن نقصها. طغمة حاكمة فاقدة لشرفها وهيبتها لا تجرؤ إلا على فقرائها ومساكينها.

أمام هذا الإنهيار الكارثي يبقى السؤال الذي يصول ويجول في ميادين الوطن الباحث عن مُنقذيه: أين طريق العبور نحو الخلاص؟ من ينتشل هذه الأرض المُعطّرة بدماء اللبنانيين وعرقهم وتضحيات الآلاف منهم منذ مئات السنين من رعونة المتسلطين اللاعبين في صفوف الشياطين؟ ما الأولويات لقيامة لبنان، السيادة أم الخبز؟ الحرية أم الطحين؟ ما الذي تستطيع القوى النضالية التي لا تزال تؤمن بهذا الكيان ولم يُكَفِّرها اليأس والإستسلام تحقيقه؟

للإجابة حول هذه الإشكالية، كان لنا حديث مع إحدى المجموعات المناضلة، منذ قبل انتفاضة ١٧ تشرين وبعدها، إنها حركة “نحو الحرية”، التي أطلقت شعارها لأوّل مرّة، ورفعت رايتها التي رفرفت وحدها إلى جانب العلم اللبناني يوم ١٤ آذار التاريخي من “ثورة الأرز” ٢٠٠٥، وبفضلها أُطلق آنذاك على ساحة الشهداء اسم “ساحة الحرية”، أما نضالات أفراد هذه المجموعة فتعود إلى فترة الإحتلال السوري بعد “الطائف” فعرفت “بمجوعة إيليج”، وبعضها إلى المقاومة اللبنانية في زمن الحرب. ما يميّز هذه الثُلّة من المقاومين، أنهم لم يتخلّوا عن مبادئهم وخطّهم المقاوم اللبناني الأصيل، ولم يطلبوا لأنفسهم يوماً أي مناصب أو مراكز، فكانوا أشبه برهبان نذروا فضيلة “المقاومة”، التي أصبحت مهنتهم ومسلك حياتهم.

ينسحبون من الواجهة السياسية ومكاسبها عندما يستتب الوضع، وتراهم يعودون بشغف عندما ينادي الواقع الوطني “روح المقاومة”، فهم خبراء في “فنّ المقاومة”، لا يملكون شيئاً من الوسائل السياسية المادية والمالية، سوى جوهر السياسة ومعناها الخادم في سبيل الخير العام. وأكثر من اختبرهم وتعرّف إليهم وعجن معدنهم وخامتهم هي المعتقلات والسجون وساحات الحرية إلى جانب رفاقهم وغيرهم من المقاومين الشرفاء في زمن الاحتلال البعثي للبنان. كما أنهم من القليلين الذين قاموا بمراجعة نقدية وذاتية للحرب وعمدوا إلى تنقية الذاكرة وإرساء مصالحات حقيقية مع أعداء أو خصوم الأمس.

يقول المناضل المعروف وأحد مؤسسي “نحو الحرية”، فادي الشماتي في حديث مع “هنا لبنان” إن “الوطن محتل من قبل إيران عبر تنظيمها العسكري والسياسي في لبنان (حزب الله)، الذي لم يخجل كما القيادات الإيرانية من إعلان هيمنتهم على بلد الأرز، الذي لا يمكن أن يشبه مشروعهم وعقيدتهم، على عكس ما صرّح به الشيخ نعيم قاسم. فلبنان التنوّع والشراكة والحريّة والإنفتاح على العالمين العربي والغربي هو نقيض الجمهورية الإسلامية في إيران وأي مشروع يشبهها”.

يرى الشماتي الذي قاوم مع رفاقه الإحتلال السوري في مراحله العسكرية والسياسية أن “الإحتلال الإيراني هو الأسوأ، لأنه يُدار بأيادٍ لبنانية تنتمي سياسياً وعقائدياً ومالياً لنظام الملالي، وأننا انتقلنا من مواجهة ٤٠ ألف عسكري سوري إلى مئة ألف مقاتل لبناني تحرّكهم إيران”.

ويعتبر “أن هذا التحدّي هو الأصعب لأنه يتمّ في ظروف اقتصادية ومعيشية خانقة، ما يضع المواطن اللبناني أمام عدّة جبهات، السيادة والحرية من جهة، والرغيف والعيش من جهة أخرى”.

مقاومة أم ثورة!

يقول الشماتي: “إن الثورات في ماهيتها ومفهومها تهدف إلى إسقاط الأنظمة، ما لا نتفق به مع المطالبين بذلك، أولاً، لأننا أمام احتلال وهذا يتطلب مقاومة لا ثورة، فالأولوية هي لتحرير لبنان. وهذا ما دعينا إليه الثوّار منذ اليوم الأول من ١٧ تشرين وقبله، لأنه لا يمكن استعادة دولة القانون وحقوق مواطنيها المعيشية والإجتماعية والإقتصادية، وانتظام العمل السياسي والمؤسساتي في ظل غياب سيادة الدولة واستقلالية قرارها الوطني الداخلي والخارجي. ثانياً، إن موازين القوى التي تميل لصالح حزب الله المدجج بالسلاح، وسطوته على قرارات الدولة ومؤسساتها، لا تسمح بأي تغيير في بنية النظام، فأي عملية تفاوضية في هذا الموضوع تتطلب توازنًا دقيقًا بين القوى السياسية، ثمّ أن الثوار لا يتفقون على بدائل واضحة للنظام السياسي الحالي تضمن وتحفظ التعددية اللبنانية لتركيبته المجتمعية، فأي تلاعب بالدستور الحالي قد يؤدي إلى حرف النظام نحو أحادية سياسية حزبية وطائفية متسلّطة بقوة السلاح والآيديولوجيا”.

“ملح”

في هذا الإطار، أطلقت “نحو الحرية” وبالتنسيق مع بعض الشخصيات والمجموعات السيادية من مختلف الطوائف، المقاومة اللبنانية الحضارية (ملح). حيث يشدّد فادي الشماتي على كلمة “الحضارية” لأنها شاملة وأبعد من “السلمية”، ترتكز على “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” والمواثيق الدولية و”وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك”، و”وثيقة الوفاق الوطني” (الطائف)، مشيراً إلى أن القيم السياسية والأخلاقية هي الشرط الأساسي لإلتزام أي فرد أو جماعة في إطار مقاومة “ملح”، وأن السلوكيات الفردية للشخص، يجب أن تتطابق مع السلوكيات العامة لعمله السياسي، وإلا وقع الإنسان في التناقض السلبي، فالغاية في مقاومتنا لا تبرّر الوسيلة، فالمكيافيلية والإنتهازية تتعارض مع روح المقاومة وأدبياتها”.

تابع: “ما نعانيه في لبنان هو غياب الفضائل عند المسؤولين السياسيين، فالحكمة السياسية تقول إنه إذا كان النظام سيّئاً بينما حكّامه شرفاء، فهذا لا يمنع من تحقيق الخير العام، وإذا كان صالحاً فيما الفساد يتحكّم بمسؤوليه، فإنه حكماً سوف يفشل”.

وعن هدف “ملح”، يقول “إن الدعوة الأساسية لمقاومتنا ليست لتشكيل جبهة سياسية أو إطلاق حزب جديد، بل لرفع المعنويات عند شعبنا وبثّ روح المقاومة في المجتمع اللبناني، وكسر موجة الإستسلام، والعمل على تنظيم المجموعات المؤمنة بشرعة ملح والتنسيق في ما بينها، ولهذه الغاية، تمّ إنشاء أمانة عامة، تتخذ قراراتها بالتصويت، واختارت منسّقاً لها، هو العميد المتقاعد والباحث الجيوبوليتيكي والناشط السياسي خليل الحلو”.

وعن إمكانية مشاركة “ملح” في الإنتخابات النيابية إذا حصلت، أوضح أن “من يريد خوضها، عليه أن يترشّح بإسمه الشخصي أو بإسم مجموعته، شرط الإلتزام بمبادىء الشرعة كما ذكرنا سابقاً”.

في الختام، يردّ الشماتي على المشككين بجدوى المقاومة السلمية الحضارية في مواجهة الإحتلال الإيراني والسلطة الفاسدة الخاضعة له، بقولِ ميخائيل نعيمة “ما أفقر الذين لا ثروة لهم إلا المال، وما أضعف الذين لا قوة لهم إلا السلاح”، مذكراً إياهم بفترة الإحتلال السوري، حيث استطاع اللبنانيون الأحرار بنضالهم السلمي وتقاطع تضحياتهم مع المصلحة الدولية، دحر جيش الأسد، رغم قناعة الكثيرين آنذاك أن تحرير لبنان أشبه بحلم مستحيل، فكانت النتيجة أن إرادة الشعب قادرة على صنع المصير، داعياً حزب الله والدائرين في فلكه إلى مراجعة تاريخ لبنان القريب والبعيد”.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us