“قوم بوس تيريز” حتى في الترسيم البحري!


أخبار بارزة, خاص 14 شباط, 2022

كتب أحمد عياش لـ “هنا لبنان”:

الخلاف في المواقف بين رئيس الجمهورية ميشال عون، وبين رئيس الوفد العسكري التقني العميد الركن الطيّار بسام ياسين في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، ليس حدثًا عاديًّا بعدما خرج أخيرًا إلى العلن. وبدا الأمر، وكأنه سلوك نادرٌ على كلّ المستويات: فهو من ناحيةٍ كشف كم هو الموقف الرسمي الذي يمثله رئيس الجمهورية الذي يعطيه الدستور صلاحية إجراء المفاوضات الخارجية، بعيدًا عن أصول الحكم بموجب الدستور. كما كشف من ناحية أخرى، كيف انهارت التراتبية الوظيفية في المؤسسة العسكرية كي يخرج ضابط كبير، عن مبدأ الصمت الذي تفرضه سلوكيات المؤسسة. فما الذي حدث، والذي يشبه الانقلاب؟

الدخول تفصيلًا في هذا التطور غير المسبوق، يستدعي العودة إلى ملف المفاوضات نفسه. هذه المفاوضات التي يقودها آموس هوكشتاين مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الطاقة، وهو حلّ قبل أيام في لبنان آتيًا من إسرائيل، ومعه تصوّر لحلّ النزاع الناشب بين البلدين بشأن الحدود البحرية بينهما. وحتى كتابة هذا المقال، لم يكن هذا التّصوّر معلنًا. غير أن المعلومات التي جرى تداولها ولم يجر نفيُها حتى الآن، أفادت أن هذا التصور المقترح، ينطلق من وقف اعتماد الخط البحري الرقم 23 الذي تعتبره إسرائيل حدود لبنان البحرية، وكذلك وقف اعتماد الخط البحري الرقم 29 الذي شدد لبنان على اعتماده للتفاوض، كما ورد في الرسالة التي بعثت بها أخيرًا وزارة الخارجية اللبنانية إلى الأمم المتحدة. ولتوضيح الفرق بين هذيْن الخطيْن، علينا أن ندرك أنّ المساحة البحرية التي يمنحها الخط الأول للبنان تبلغ 860 كليومترًا. في حين أنّ الخط الرقم 29 الذي شددت عليه رسالة الخارجية، فهي تبلغ 1430 كيلومترًا مربعًا بالإضافة إلى الـ 860 كيلومترًا مربعًا السابقة.

فجأة، ومن دون أية مقدمات، خرج الرئيس عون بموقف قلب طاولة المفاوضات رأسًا على عقب. فصرّح السبت الماضي لجريدة “الأخبار” أنّ “البعض طرح الخط 29 من دون حجج برهنته”، وأنّ “خطنا النقطة 23، وهي حدودنا البحرية” و”حقنا الحقيقي والفعلي”. وهذا الموقف الرئاسي، لا يتخلى فقط عن ورقة الخط الـ 29، بل إنه يحرق المراحل التي ما زالت المفاوضات تمضي بموجبها. وهذه المراحل تقوم على التشاور الداخلي بين الرئيس عون وبين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي ورئيس مجلس النواب نبيه بري، ومن ثم الذهاب إلى مجلس الوزراء لنيل الغطاء التنفيذي تحضيرًا للشروع في الجولة التالية من المحادثات مع الوسيط الأميركي. والأخير سيتعيّن عليه إطلاع الجانب الإسرائيلي الذي ستكون له الموافقة أو عدم الموافقة.

استعجال الرئيس عون في تحديد موقف لبنان من أهم الملفات التي تتعلق بثروة البلاد الغازية والنفطية، طرح علامات استفهام حول مبرراته. لكن ذلك لم يمنع رئيس الوفد العسكري التقني المفاوض من إصدار بيان كشف فيه “أنّ “رئيس الجمهورية كان قد كلّف الوفد وأعطى توجيهاته الأساسية لانطلاق عملية التفاوض بهدف ترسيم الحدود البحرية على أساس الخط الذي ينطلق من نقطة رأس الناقورة برّاً والممتد بحراً تبعاً لتقنية خط الوسط دون احتساب أي تأثير للجزر الساحلية التابعة لفلسطين المحتلة أي الخط 29… وخلال كل الاجتماعات التي عقدها الوفد مع فخامة الرئيس خلال فترة المفاوضات التي بدأت بتاريخ 14/10/2020 وتوقفت بتاريخ 4/5/2021، كان فخامته يؤكد دائماً ضرورة التمسّك ببدء المفاوضات من الخط 29”.

لماذا قرر الرئيس عون التخلي عن الخط 29 لمصلحة الخط 23؟ في انتظار أن يجيب الرئيس عون نفسه على هذا السؤال، لا بد من ملاحظة عدد من المواقف التي ظهرت خلالها الرئاسة الأولى متفردة خارج الأصول والأعراف، وآخرها اليوم موقف رئيس الجمهورية الوارد في صحيفة “الأخبار”. وقبل ذلك، كانت أوساط الرئيس بري تعتبر رسالة وزارة الخارجية الأخيرة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن الترسيم البحري بأنها كانت متفردة بعدما تم حجبها عن بري الذي يعتبر نفسه من الأطراف الأساسيين بملف الترسيم البحري.

في موازاة ذلك، ما الذي استدعى العميد ياسين أن يردّ على الرئيس عون ببيان، كان بالأحرى أن يكون صادرًا عن قيادة الجيش نفسها، التي تعود إليها هذه القضية؟

من يعود إلى وقائع المحادثات التي أجراها قبل أيام الوسيط الأميركي في لبنان يتبيّن أنّ قائد الجيش نفسه العماد جوزف عون حين استقبل هوكشتاين الذي استهلّ جولته على المسؤولين من اليرزة، ترافقه السفيرة الأميركية دوروثي شيا، أكّد أن المؤسسة العسكرية “هي مع أيّ قرار تتخذه السلطة السياسية في هذا الشأن”. وتعليقاً على لقاء هوكشتاين بقائد الجيش، نشرت السفارة الأميركية في لبنان عبر حسابها على “تويتر” تغريدة جاء فيها: “حيث هناك إرادة هناك وسيلة. إنّ الاتفاق على الحدود البحرية يمكنه أن يخلق فرصة تشتدّ الحاجة إليها لتحقيق الازدهار لمستقبل لبنان. لقاء مثمر اليوم بين كبير مستشاري الولايات المتحدة لأمن الطاقة العالمي آموس هوكشتاين وقائد الجيش جوزف عون”.

ما هي علاقة قائد الجيش برئيس الوفد العسكري التقني المفاوض؟ من يعود إلى المرة الأولى التي تقرر فيها أن يترأس العميد ياسين الوفد، يجد أن هذه العلاقة بين الرجليّن وثيقة جدًّا. ففي 5 تشرين الأول 2020، أورد رضوان عقيل في “النهار” تفاصيل الحوار الذي دار بين الرئيس بري وبين العماد عون خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده بري للإعلان عن إطار اتفاق التفاوض في حضور ياسين:

عون: “دولة الرئيس أقدم لك العميد ياسين وهو سيترأس وفدنا المفاوض وهو من خيرة ضباطنا”.

بري:” أهلًا وسهلًا. الله يوفقه في هذه المهمة والمسؤولية الوطنية الكبيرة.”

في المقابل، كانت لافتة الإشارات الودية التي منحها قصر بعبدا للوسيط الأميركي. ومن بينها كرم الضيافة اللبنانية الذي مارسه الوزير السابق، المستشار الحالي لرئيس الجمهورية الياس بو صعب مع هوكشتاين، وما تردد عن لقاء خارج لبنان جمع الأخير مع رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل.

هناك العبارة الشهيرة التي وردت على لسان رئيس حزب “القوات اللبنانية” الدكتور سمير جعجع عام 2019 وهي “قوم بوس تيريز”، في معرض الإشارة إلى أنّ الرئيس عون كان يحيل كل القضايا التي تثار معه إلى صهره ورئيس تياره باسيل. لعله من المفيد تذكّر هذه العبارة اليوم، فلربما توضح لماذا طفح الكيل بالعميد ياسين وبمن يمثل كي يكشف مستور موقف الرئيس عون من مفاوضات الترسيم البحري. فهل قال عون أخيرًا لمن هم معنيون بالمفاوضات ذات العبارة “قوم بوس تيريز” كي تصل الرسالة إلى الأميركي بأن “مفتاح الحل للترسيم البحري” هو عند الصهر؟ وبقية قصة التوريث باتت معروفة للجميع!

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us