سيناريوهات ما بعد الهدنة بين لبنان وإسرائيل: تهدئة دائمة أم عودة للتصعيد؟!

الحزب يمرّ بمرحلة إنهاك غير مسبوقةٍ، نتيجة تورّطه في صراعات إقليمية تجاوزت المصلحة اللبنانية، ما أدّى إلى استنزافه عسكريًّا وسياسيًّا. وهو لم يعد قادرًا على خوض مواجهة مفتوحة، وخطابه المرتفع لا يتجاوز كونه محاولة لاحتواء جمهوره، في ظلّ فجوةٍ متزايدةٍ بين الشعارات والواقع الميداني.
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
دخل اتفاق وقف إطلاق النار المؤقّت بين لبنان وإسرائيل، والذي أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حيّز التنفيذ، فاتحًا نافذةً ضيّقةً لاحتواء التصعيد العسكري المتصاعد على الجبهة الجنوبية. ويأتي هذا التطوّر في سياقٍ إقليميٍّ شديد التعقيد، حيث تتقاطع الحسابات الميدانية مع الضغوط الدولية، في محاولةٍ لفرض تهدئة مؤقتة تُتيح استئناف المسار الدبلوماسي.
وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوة من حيث التوقيت، إلّا أنّ طبيعتها المحدودة زمنيًا بعشرة أيام فقط تعكس حجم الحذر وانعدام الثقة بين الأطراف المعنيّة، ما يجعلها أقرب إلى اختبار للنوايا منها إلى اتفاقٍ مستدامٍ. كما تضع هذه الهدنة المؤقتة جميع الأطراف أمام استحقاقٍ حاسمٍ: إمّا البناء عليها لتثبيت تهدئة طويلة الأمد، أو الانزلاق مُجدّدًا نحو دائرة التصعيد، في حال فشل الجهود السياسية في معالجة جذور الأزمة.
فما هي السيناريوهات المطروحة بعد انتهاء مدة الأيام العشرة؟
يقول الكاتب السياسي نايف عازار لـ”هنا لبنان” إنّ اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل لا يتجاوز كونه تفاهمًا هشًّا، لا يرقى إلى مستوى هدنة رسمية أو اتفاق سلام، مُشيرًا إلى أنّ هذا النوع من الاتفاقات يبقى عرضةً للانهيار في أي لحظة.
ويُشير إلى أنّ الوقائع الميدانية الحالية تؤكّد هذه الهشاشة، في ظلّ استمرار الاستهدافات الإسرائيلية لمواقع تابعة لحزب الله، مقابل امتناع الحزب عن الردّ، ما يعكس تراجعًا واضحًا في قدرته على فرض معادلات الرّدع التي لطالما روّج لها.
ويرى عازار أنّ النقطة اللّافتة في هذا المسار التفاوضي تتمثّل في استعادة الدولة اللبنانية لدورها في إدارة ملف التفاوض، بعدما ظلّ هذا الدور لسنوات بيد حزب الله، الذي احتكر قرار الحرب والسلم، وأدخل لبنان في مواجهاتٍ متكرّرةٍ من دون غطاء وطني جامع، ما أدّى إلى أثمان باهظة على المستويَيْن الاقتصادي والبشري.
ويقول إنّ الدور الأميركي، ولا سيّما دور الرئيس دونالد ترامب، كان حاسمًا في التوصّل إلى هذا الاتفاق، معتبرًا أنّ مقاربته القائمة على تحقيق إنجازات سريعة، إلى جانب الضغوط التي مورست على إيران بعد إضعاف نفوذها الإقليمي، ساهمت في فرض إيقاع جديد في المنطقة. ويشير إلى أنّ ترامب يُعدّ من القلائل القادرين على التأثير المباشر في رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وعن إسرائيل، يُشير عازار إلى أنّ العقيدة العسكرية شهدت تحوّلًا ملحوظًا بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول، حيث انتقلت من نهج دفاعي إلى مقاربة هجومية وقائية. ويرى أنّ نتنياهو لن يتجه إلى الانسحاب من جنوب لبنان، بل يعمل على تكريس واقعٍ أمنيٍّ جديدٍ، مستفيدًا من تراجع قدرات حزب الله، عبر ربط المنطقة العازلة في الجنوب اللبناني بنظيرتها في جنوب سوريا، واعتماد سياسة الضربات الاستباقية ضدّ أي تحرّك للحزب.
أمّا على مستوى حزب الله، فيرى عازار أنّ الحزب يمرّ بمرحلة إنهاك غير مسبوقةٍ، نتيجة تورّطه في صراعات إقليمية تجاوزت المصلحة اللبنانية، ما أدّى إلى استنزافه عسكريًّا وسياسيًّا. ويشير إلى أنّ الحزب لم يعد قادرًا على خوض مواجهة مفتوحة، وأنّ خطابه المرتفع لا يتجاوز كونه محاولة لاحتواء جمهوره، في ظلّ فجوة متزايدة بين الشعارات والواقع الميداني.
ويضيف أنّ استمرار حزب الله في ربط لبنان بمحاور إقليمية يُعرّض البلاد لمخاطر دائمة، ويُبقيها ساحةً مفتوحةً للصراعات، بدل أن تكون دولة ذات سيادة قادرة على حماية مصالحها.
ويشير عازار إلى أنّ الأنظار تتّجه نحو مسار المفاوضات الإقليمية، ولا سيّما تلك المرتبطة بإسلام آباد، معتبرًا أنّ مستقبل لبنان لا يزال مرهونًا بتفاهمات خارجية.
ويخلص إلى أنّ لبنان يقف أمام مرحلةٍ دقيقةٍ، تتطلّب إعادة الاعتبار لدور الدولة ومؤسّساتها، ووضع حدٍّ لسياسات الأمر الواقع التي كرّسها حزب الله، والتي ساهمت في إضعاف موقع لبنان إقليميًّا ودوليًّا.
بدوره، يرى المحلّل السياسي إيلي بدران أنّ مهلة الأيام العشرة المحدّدة لوقف إطلاق النار تفتح الباب أمام مفاوضات حسّاسة بين لبنان وإسرائيل، لكنّها في الوقت نفسه تعكس هامشًا واسعًا من الشكوك لدى الجانب الإسرائيلي. فإسرائيل، بحسب بدران، أبقت لنفسها حقّ التحرّك العسكري في حال واصل حزب الله إرسال الصواريخ والعتاد إلى الجنوب، ما يدلّ على أنّها لا تستبعد فشل التوصل إلى اتفاق نهائي، سواء كان وقفًا لإطلاق النار أو تفاهمًا أوسع.
ويؤكّد بدران أنّ التوصّل إلى اتفاق بين لبنان وإسرائيل ليس مستحيلًا، بل ممكن من حيث المبدأ، إلّا أنّ الإشكاليّة الحقيقيّة تكمن في الجهة التي ستتولّى تنفيذ بنود هذا الاتفاق. ويطرح تساؤلًا جوهريًا: مَن سيتكفّل فعليًا بفرض شروط مثل نزع سلاح حزب الله، في ظلّ عجز الدولة اللبنانية، وعلى رأسها الجيش، عن القيام بهذه المهمّة خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية؟
وبحسب طرحه، يقف لبنان أمام خيارَيْن أحلاهما مرّ: إمّا أن تتحمّل الحكومة اللبنانية مسؤولية نزع سلاح حزب الله، حتّى لو استدعى ذلك استخدام القوة، وهو سيناريو شديد التعقيد داخليًّا؛ أو أن يتم إدراج الاتفاق تحت مظلّةٍ دوليةٍ صارمةٍ، قد تصل إلى الفصل السابع، ممّا يعني نشر قوة دولية تتولّى تنفيذ بنوده على الأرض.
غير أنّ هذا الخيار الأخير لا يخلو من مخاطر كبيرة، إذ يتساءل بدران عن الدول التي قد تكون مستعدةً لإرسال قوات إلى لبنان لمواجهة حزب الله مباشرة. ويرى أنّ أي وجود عسكري دولي من هذا النوع قد يمنح الحزب ذريعةً إضافيةً للدخول في مواجهةٍ مفتوحةٍ، ما قد يعيد إنتاج سيناريوهات دموية مشابهة لما شهدته دول أخرى في المنطقة، مع ما يحمله ذلك من احتمالات الانزلاق إلى صراعات داخلية ذات طابع طائفي.
ويخلص بدران إلى أنّ المرحلة المقبلة تبدو ضبابيةً ومعقّدةً، حيث ستبقى الأنظار مركّزةً على مسار المفاوضات، ليس فقط من حيث النتائج، بل أيضًا من حيث آليّات التنفيذ والجهات التي ستتحمّل مسؤولية تطبيق أي اتفاق محتمل.
مواضيع مماثلة للكاتب:
الكابينيت يرفع سقف المواجهة: النار مستمرة والقرار مؤجَّل | مفاوضات واشنطن: لبنان يستعيد سيادته ويفاوض على الحرب والسلام | لبنان وإسرائيل على طاولة واشنطن: مرحلة تمهيديّة لمسار طويل |




