الرئيس عون يحدّد معيار الخيانة: من يجرّ لبنان إلى الحرب هو الخائن!

تصريحات الرئيس عون لم تأتِ في فراغ، بل شكّلت رداً مباشراً على الانتقادات التي وجّهها نعيم قاسم، والتي اتهم فيها الدولة بالتفريط بالحقوق والدفع نحو تنازلات، داعياً إلى وقف المفاوضات المباشرة.. اليوم يقف لبنان أمام مرحلة مفصلية، حيث لا تقتصر المواجهة على طاولة التفاوض، بل تمتد إلى داخل البيت السياسي نفسه، في اختبار حقيقي لقدرة الدولة على فرض رؤيتها وتوحيد قرارها
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
في لحظة سياسية دقيقة تتقاطع فيها الضغوط الإقليمية مع الانقسام الداخلي، رسم رئيس الجمهورية جوزيف عون ملامح موقف لبناني أكثر تشدداً حيال مسار المفاوضات مع إسرائيل واتفاق وقف إطلاق النار، واضعاً سقفاً واضحاً لأي تسوية محتملة. وأطلق عون مواقف لافتة حملت أبعاداً سيادية وسياسية، مؤكداً رفضه القاطع لـ”الوصول إلى اتفاقية ذلّ”، ومشدداً على أنّ الخيانة لا تكون في التمسك بحقوق الدولة، بل في جرّ البلاد إلى حروب غير محسوبة النتائج.
هذه التصريحات لم تأتِ في فراغ، بل شكّلت رداً مباشراً على الانتقادات التي وجّهها الأمين العام لـحزب الله نعيم قاسم، والتي اتهم فيها الدولة بالتفريط بالحقوق والدفع نحو تنازلات، داعياً إلى وقف المفاوضات المباشرة. وبين هذين الموقفين، يتّسع هامش التباين الداخلي حول إدارة واحدة من أكثر الملفات حساسية، في وقت يسعى فيه لبنان إلى تثبيت موقعه التفاوضي من موقع الدولة، لا من منطق تعدّد المرجعيات.
وفي خلفية هذا السجال، تبرز رهانات أكبر تتعلّق بمستقبل دور الدولة اللبنانية وحدود قرارها السيادي، وسط بيئة إقليمية معقّدة وتوازنات دولية ضاغطة. فمواقف عون تعكس محاولة واضحة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك السياسي والدبلوماسي، عبر التشديد على أنّ أي مسار تفاوضي يجب أن ينطلق من ثوابت السيادة والكرامة الوطنية، وأن يُدار حصراً عبر المؤسسات الرسمية. ومع تصاعد هذا الخطاب، يبدو أنّ لبنان يقف أمام مرحلة مفصلية، حيث لا تقتصر المواجهة على طاولة التفاوض، بل تمتد إلى داخل البيت السياسي نفسه، في اختبار حقيقي لقدرة الدولة على فرض رؤيتها وتوحيد قرارها.
من هنا يشير المحلل السياسي مروان الأمين إلى أن موقف رئيس الجمهورية يشكّل ردًا واضحًا على الأجواء التصعيدية التي يقودها حزب الله والحملة التي يشنّها على الرئيس، لا سيما بعد الكلمة التي ألقاها عقب التوصل إلى الاتفاق الهدنة.
ويؤكد أن خطاب الرئيس وضع النقاط على الحروف، لجهة أن الدولة اللبنانية هي الجهة الوحيدة المخوّلة اتخاذ القرار في الشأن الدبلوماسي، وأنها تمضي في مسار تفاوضي يهدف إلى حماية لبنان، وتأمين انسحاب إسرائيل، وعودة الأهالي إلى الجنوب، مشددًا على أن الدولة وحدها تمثل لبنان على طاولة المفاوضات، وليس أي طرف آخر.
ويعتبر أن هذا الموقف أثار انزعاج حزب الله، الذي يسعى إلى أن يكون هو الطرف المفاوض وأن يجني المكاسب السياسية من خلال المفاوضات، بما يكرّس النفوذ الإيراني في لبنان. ويرى أن غياب الحزب عن طاولة التفاوض يحرمه من هذه المكاسب، ما دفعه إلى تصعيد حملته العنيفة ضد الرئيس، والتي اتخذت طابعًا تخوينيًا.
ويصف الأمين رد رئيس الجمهورية بأنه جاء في مكانه، بل ويُعد الحد الأدنى المطلوب في مواجهة ما اعتبره إساءة إلى موقع رئاسة الجمهورية. وينتقد في هذا السياق خطاب التخوين الذي يعتمده حزب الله تجاه كل من يخالفه الرأي، من المواطنين العاديين وصولًا إلى رئاسة الجمهورية، حيث يُتهم كل معارض بخدمة إسرائيل. وبحسب الأمين، فإن هذا الاتهام ينطبق على الحزب نفسه، معتبرًا أنه جلب الاحتلال ويخدم مصالح إيران على حساب استقرار لبنان وسلامة الجنوبيين، وأن الحرب التي خاضها جاءت خدمةً لايران، ما يندرج، وفق توصيفه، في إطار الخيانة واستجلاب الاحتلال. ويشدد على أن هذا النهج لم يعد مقبولًا، داعيًا إلى وضوح في المواقف، ومعتبرًا أن المسؤولية الكبرى في هذه “المجزرة” بحق الجنوبيين تقع على عاتق حزب الله.
ويؤكد الأمين ضرورة ألا يقتصر التعامل مع هذا الخطاب على مواجهته إعلاميًا، بل أن يبدأ مسار فعلي لاستعادة هيبة الدولة بكل مؤسساتها، من رئاسة الجمهورية إلى رئاسة الحكومة وسائر الأجهزة، عبر الانتقال من مرحلة تنفيذ القرارات التي اتخذتها الحكومة.
وفي هذا الإطار، يرى أن قيادة الجيش مطالبة باتخاذ خطوات تنفيذية لنزع سلاح حزب الله، معتبرًا أن هذه الخطوة تشكّل المدخل الأساسي والوحيد لحل الأزمة، ولتحقيق انسحاب إسرائيل، واستعادة الأراضي، وإطلاق عملية إعادة الإعمار، وضمان الاستقرار الدائم، خصوصًا في الجنوب. ويحذر من أن عدم الإقدام على هذه الخطوة سيؤدي إلى تثبيت الاحتلال وإطالة أمد النزاعات، مع ما يرافق ذلك من كلفة بشرية وعمرانية واقتصادية مرتفعة.
ويضيف أن عدم سحب السلاح سيؤدي أيضًا إلى استدارة حزب الله الى الداخل. إلا أنه يلفت إلى أن قدرة الحزب على إعادة ترميم بنيته العسكرية كما في السابق باتت محدودة، في ظل الوجود الإسرائيلي الدائم في الأجواء اللبنانية منذ فتح حزب الله للحرب اسناداً لغزة، واستمرار اسرائيل في استهداف أي نشاط عسكري، مؤكدًا أن المرحلة التي امتدت بين عامي 2006 و2023 قد انتهت، وأن لبنان دخل مرحلة مختلفة كليًا.
ويحذر الأمين من أن الخطر الأكبر في حال عدم نزع السلاح لا يقتصر على استمرار الاحتلال أو التوتر مع إسرائيل، بل يتعداه إلى الداخل اللبناني، حيث قد يعمد الحزب إلى استخدام قوته العسكرية والأمنية لتعويض خسارته وتراجع هيبته بعد المواجهة مع إسرائيل، عبر ممارسة العنف الداخلي وشدّ عصب جمهوره من خلال الاستقواء على الدولة واللبنانيين. ويشير إلى مؤشرات على ذلك، من خلال الخطاب التصعيدي الذي صدر عن شخصيات سياسية وحزبية، بينها سليمان فرنجية ووئام وهاب وقيادات في حزب الله، بعد اعتقادهم بأن الهدنة في ايران سوف تشمل لبنان، والذي تناول مسألة إسقاط الحكومة برئاسة نواف سلام.
وفي ما يتعلق بوقف إطلاق النار، يرى الأمين أن تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية عدم تثبيت وقف إطلاق النار غير منطقي، معتبرًا أن مسؤولية الدولة تبدأ فعليًا بعد تسليم حزب الله سلاحه، إذ لا يمكن مطالبتها بوقف الاعتداءات الإسرائيلية في ظل استمرار وجود سلاح خارج إطارها.
كما يذكّر بأن الحزب نفسه أعلن أن إيران هي التي لعبت الدور الأساسي في التوصل إلى وقف إطلاق النار، عبر التواصل مع السفير الإيراني، وليس الدولة اللبنانية، متسائلًا: إذا كانت إيران هي من حققت الاتفاق، فلماذا لا يُسأل الجانب الإيراني عند انهيار الهدنة؟ ويعتبر أن الحزب ينسب الإنجازات لإيران، بينما يلقي بالمسؤولية على الدولة اللبنانية عند تدهور الأوضاع.
ويحمّل الأمين حزب الله والحرس الثوري الإيراني والنظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن تداعيات الحرب، بما فيها سقوط نحو 2500 قتيل، وإصابة حوالى 8000 جريح، واحتلال أكثر من 55 بلدة، وتدمير عشرات القرى بأكملها، وتهجير ما يقارب مليون شخص، مؤكدًا أن هذه القرارات اتُخذت ضمن سياق إقليمي مرتبط بإيران، وأن اللبنانيين يدفعون ثمنها من أرواحهم واستقرارهم.
من جهته، يرى المحلل السياسي إيلي بدران أنّ المرحلة الحالية التي يقودها رئيس الجمهورية جوزيف عون تتّسم بمحاولة ضبط الإيقاع الداخلي ووضع مختلف الأطراف أمام مسؤولياتهم، في ظل تحديات متراكمة داخلياً وخارجياً. ويشير إلى أنّ التحدي الأساسي يكمن في قدرة السلطة التنفيذية، بالتنسيق مع رئيس الحكومة نواف سلام، على ترجمة القرارات إلى خطوات عملية تنعكس على الواقع الأمني والاقتصادي.
ويلاحظ بدران أنّ خطاب رئيس الجمهورية الأخير حمل رسائل سياسية واضحة، من دون تسمية مباشرة، ركّزت على ضرورة تجنّب المغامرات غير المحسوبة التي قد تجر البلاد إلى مواجهات غير متكافئة. ويرى أنّ هذا التوجّه قد يندرج ضمن مسار أوسع لإعادة تثبيت مرجعية الدولة في إدارة الملفات السيادية، بما في ذلك الالتزام بالقرارات الدولية الخاصة بلبنان.
وفي ما يتعلّق بالجدل حول خيار الدبلوماسية، يلفت بدران إلى أنّ تجربة ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل شكّلت نموذجاً على إمكانية تحقيق نتائج عبر التفاوض، رغم حساسية الملف وتعقيداته. ويطرح في هذا السياق تساؤلات حول آليات إدارة التفاوض، مشدداً على أهمية أن يتم ذلك من خلال مؤسسات الدولة الرسمية بما يحفظ موقع لبنان التفاوضي.
أما في ما يخص دور العوامل الإقليمية، فيعتبر بدران أنّ التطورات الأخيرة، بما فيها اتفاقات وقف إطلاق النار، تعكس تداخل التأثيرات الدولية والإقليمية في الساحة اللبنانية. ويشير إلى أنّ المرحلة الحالية قد تشهد ميلاً نحو فصل المسار اللبناني عن بعض الملفات الإقليمية، بما يتيح للبنان التقدّم في معالجة قضاياه الداخلية بشكل أكثر استقلالية.
ويقول اذا كان حزب الله يعتبر ان وقف اطلاق النار اتى بجهود ايرانية، هذا دليل إضافي ان اسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة الاميركية لا يكترثان بموقف ايران، وإذا كانت اسرائيل اليوم تخرق اتفاق وقف اطلاق النار فلماذا لا تعود ايران الى الحرب وتطلق صواريخ على تل أبيب لاجبارها على احترام وقف اطلاق النار في لبنان. سردية وحدة الساحات سقطت واصبحت في خبر كان، والسلطة اللبنانية نجحت بفصل الملف اللبناني عن الملفات الاقليمية ولبنان وحده اليوم يفاوض عن نفسه وبالمباشر.




