عيد العمال في لبنان: بطالة تتجاوز الخطوط الحمراء وسوق عمل يترنّح

بين بطالةٍ تجاوزت الخطوط الحمراء، وأجورٍ تتآكل تحت وطأة التضخم، يقف العامل اللبناني في مواجهة يومية مع واقعٍ يزداد قسوة، بلا ضماناتٍ حقيقية ولا أفقٍ واضح
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
في عيد العمال، لا تبدو الصورة احتفالية في لبنان بل أقرب إلى مرآة تعكس هشاشة سوق العمل وعمق أزماته.
بين بطالةٍ تجاوزت الخطوط الحمراء، وأجورٍ تتآكل تحت وطأة التضخم، يقف العامل اللبناني في مواجهة يومية مع واقعٍ يزداد قسوة، بلا ضماناتٍ حقيقية ولا أفقٍ واضح.
هو عيدٌ يمرّ هذا العام مثقلاً بالخسارات، حيث لم يعد العمل كافياً للحياة الكريمة ولا الغد مضموناً لمن يعمل.
وفي هذا السياق، أوضح رئيس الاتحاد العمالي العام بشارة الأسمر لـ”هنا لبنان” أنّ معدلات البطالة في لبنان كانت مرتفعة حتى قبل الأحداث العسكرية والأمنية الأخيرة، حيث بلغت نحو 26 إلى 27% لدى الرجال، وارتفعت إلى ما بين 35 و37% لدى النساء، نتيجة الأوضاع السياسية والاقتصادية الصعبة التي كانت سائدة في البلاد.
وأشار إلى أنّ البطالة كانت ترتبط دائماً بارتفاع وتيرة الهجرة، إذ اتجهت اليد العاملة اللبنانية سابقاً إلى دول الخليج وتركيا والدول الأوروبية بحثاً عن فرص عمل. إلا أنّ هذه الفرص تراجعت اليوم بشكل ملحوظ، ما فاقم الأزمة وزاد من حدة البطالة، لتصل اليد العاملة اللبنانية إلى واحدة من أسوأ مراحلها منذ عام 2019.
وكشف الأسمر أنّ نحو 200 ألف خريج جامعي غادروا لبنان بين عامي 2019 وبداية 2025، ما يشكل خسارة كبيرة للبلاد من حيث الكفاءات، بما يشمل أطباء ومهندسين وأساتذة ومحامين. ورغم ذلك، أشار إلى أنّ المغتربين اللبنانيين يساهمون سنوياً في دعم الاقتصاد الوطني عبر تحويلات مالية تُقدّر بنحو 7 مليارات دولار، ما يشكل جانباً إيجابياً في ظل هذه الظروف.
ولفت إلى أنّ تصاعد الأعمال العسكرية أدى إلى تدمير عدد كبير من المؤسسات، لا سيما في الجنوب، ما تسبب بصرف تعسفي للعمال وفقدان واسع للوظائف. كما طالت هذه التداعيات مناطق في البقاع وأجزاء من العاصمة، ما انعكس سلباً على سوق العمل في القطاع الخاص.
وأكد الأسمر رفض الاتحاد العمالي العام القاطع لسياسة الصرف التعسفي، مشدداً على ضرورة حماية العمال وضمان استمراريتهم في وظائفهم. ودعا إلى فتح حوار جدي مع الهيئات الاقتصادية من أجل التوصل إلى حلول عملية، بالحد الأدنى، تضمن بقاء العامل في عمله، ولو من خلال اعتماد بعض المحفزات، سواء عبر تحسينات جزئية على الرواتب أو من خلال تقديم متممات إضافية تساعد في التخفيف من الأعباء المعيشية.
وأضاف أنّ عدم تطبيق الاتفاقيات مع الحكومة، لا سيما تلك المتعلقة بدفع ستة رواتب إضافية للعاملين في القطاع العام والعسكريين والمتقاعدين، ساهم أيضاً في زيادة الاضطراب الاقتصادي.
وفي سياق متصل، أكد الأسمر أنّ الدورة الاقتصادية تشهد تباطؤاً حاداً، حتى في المناطق التي لم تتعرض مباشرة للاستهداف، حيث تراجعت الحركة الاقتصادية ونسب الأعمال بما يتراوح بين 70 و90%. وأشار إلى أنّ مختلف القطاعات، الصناعية والتجارية والفندقية، تأثرت بشكل كبير نتيجة الواقع الأمني، ما أدى إلى توسع دائرة الصرف من العمل.
كما شدد على أنّ القطاع الزراعي شبه متوقف، سواء في الجنوب أو البقاع، نتيجة تعذر استثمار الأراضي، ما يزيد من تفاقم الأزمة الاقتصادية والبطالة.
وختم الأسمر بالتأكيد على أنّ الحل الأساسي يبدأ باستتباب الوضع الأمني، بما يسمح بإعادة تحريك العجلة الاقتصادية وخلق بيئة مناسبة لإطلاق مسار التعافي وإيجاد حلول فعلية للأزمة.
وفي قراءة اقتصادية أوسع، رسم محمد فحيلي، الخبير الاقتصادي في الجامعة الأميركية في بيروت، صورة قاتمة لواقع سوق العمل في لبنان، في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية المتفاقمة، مشيراً إلى أنّ البطالة تجاوزت “الخطوط الحمراء” وباتت تهدد الاستقرار الاجتماعي بشكل مباشر.
وأوضح فحيلي أنّ هناك تركزاً كبيراً للمؤسسات الصناعية والأراضي الزراعية في الجنوب والبقاع، وهما قطاعان يعتمدان بشكل أساسي على العمالة شبه الموسمية. إلا أنّ التطورات الأمنية المتلاحقة أدت إلى شلل واسع في هذه الأنشطة، ما تسبب بخسارة عدد كبير من فرص العمل.
وأضاف أنّ الضغوط التضخمية فاقمت الأزمة، حيث ترتفع الأسعار بوتيرة أسرع بكثير من أي تصحيحات على الأجور، ما أدى إلى تآكل القدرة الشرائية للعامل اللبناني، خصوصاً في ما يتعلق بتغطية الاحتياجات الأساسية كالاستهلاك والاستشفاء والتعليم.
ولفت إلى أنّ فترات الاضطراب الأمني تنعكس أيضاً على تراجع الإنفاق، لا سيما الترفيهي منه، سواء من الداخل أو من قبل المغتربين. وأشار إلى أنّ لبنان شهد تراجعاً حاداً في أعداد الزوار، خصوصاً من اللبنانيين العاملين في دول الخليج، والذين يُقدّر عددهم بنحو 500 ألف، ما انعكس سلباً على الحركة الاقتصادية.
كما أشار إلى أنّ الإنفاق المحلي شهد انكماشاً مقلقاً، حيث توقفت الأنشطة الموسمية المرتبطة بالمناسبات، ما أدى إلى خسارة إضافية للوظائف المرتبطة بهذه الفترات.
وفي تقييمه للمشهد الاقتصادي، أكد فحيلي أنّ الوضع لم يكن مريحاً حتى قبل التصعيد، رغم تسجيل نمو اقتصادي ملحوظ. لكنه شدد على ضرورة التمييز بين “النمو” و”التنمية”، موضحاً أنّ هذا النمو لم ينعكس على خلق فرص عمل كافية، بسبب تمركزه في قطاعات وخدمات محددة، وفي مناطق جغرافية معينة، دون أن يشمل مختلف المناطق اللبنانية، لا سيما الأطراف مثل طرابلس وصيدا وبعلبك وزحلة.
وأشار إلى أنّ تدهور الأوضاع الأمنية زاد من تعقيد المشهد، لدرجة أنّ المؤسسات الدولية امتنعت عن تقديم أي توقعات واضحة لمسار الاقتصاد أو سوق العمل.
وأضاف أنّ الضغوط الكبيرة على المالية العامة دفعت الدولة إلى التركيز على أولويات إنسانية ملحّة، ما أدى إلى تراجع اهتمامها بالاقتصاد، وتركه إلى حد كبير للقطاع الخاص. إلا أنّ هذا الواقع ساهم في توسع “اقتصاد الظل” على حساب الاقتصاد الرسمي.
وحذر فحيلي من تداعيات هذا التحول، مشيراً إلى أنّ ازدهار اقتصاد الظل يعني توسع العمالة غير المنظمة، حيث يعمل عدد كبير من العمال خارج أي إطار قانوني أو حماية اجتماعية، من دون تسجيل في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ومن دون الاستفادة من التقديمات الصحية أو تعويضات نهاية الخدمة.
وختم بالتأكيد على أنّ هذا النوع من “النمو غير المنظم” لا يمكن أن يشكل أساساً لاستقرار اقتصادي أو اجتماعي، بل يزيد من هشاشة سوق العمل، ويضع العمال في مواجهة مخاطر دائمة، أبرزها فقدان وظائفهم في أي لحظة، في ظل غياب أي حماية قانونية أو مؤسساتية.




