الفصح رغم كل شيء!

ترجمة “هنا لبنان”
كتب Marc Saikali لـ”Ici Beyrouth“:
هذا الصباح، في لبنان، قرعت الأجراس رغم كل شيء.
في كنائس البلاد، ارتدى المؤمنون أجمل ثيابهم. وبحث الأطفال عن بيض الشوكولا. وفي كل مكان، تبادل الناس عبارة: “المسيح قام”. كأن الإيمان صار الملاذ الأخير حين تُغلق كل الملاذات الأخرى.
إنه الفصح في لبنان. مرة جديدة، في الحرب.
الفصح، في أعمق معانيه، ليس عيدًا للأزمنة السهلة. فهو يولد من العذاب، والهجر، والظلم المطلق. يبدأ بالخوف، والخيانة، والموت. فالمسيح لم يقم في يوم ربيعي هادئ. لقد قام بعد خيانة يهوذا، وهجران خاصته، وصمت بيلاطس، ومسامير الصليب. قام لأن حتى الرعب المطلق لم يكن له القول الفصل.
لبنان يعرف هذه السلسلة عن ظهر قلب.
الخيانة أولًا. هذا البلد لم يختر هذه الحرب. ففي 2 آذار 2026، أطلقت ميليشيا تأتمر بأوامر طهران النار من الأراضي اللبنانية على إسرائيل، من دون استشارة أحد. قرار اتُّخذ في إيران، ونُفّذ في لبنان. ودفع اللبنانيون ثمنه، كما في كل مرة. الحكومة أدانت، ومنعت، وطالبت. أما حزب الله فتجاهل، كما يتجاهل الدولة اللبنانية منذ أربعين عامًا، مستخدمًا إياها ديكورًا أو ذريعة.
ثم الهجر. المجتمع الدولي اكتفى بالمراقبة. ومجلس الأمن ناقش. وأصدقاء لبنان ينظرون إلى مكان آخر، خائفين من اتساع رقعة النزاع في إيران.
ثم الصلب أخيرًا. كيف لا نرى، في لبنان اليوم، شكلًا من أشكال جلجلة جماعية؟ بلدًا مصلوبًا، متروكًا من حلفائه، ومخذولًا من أولئك الذين ما زالوا يدّعون الدفاع عنه رغم كل الوقائع. أكثر من 1300 قتيل في شهر واحد. شعب منهك، مشتّت، معلّق بين المنفى والبقاء، وينزف في حرب ليست حربه.
لكن ثمة فرقًا جوهريًا مع الرواية الإنجيلية، وهو فرق سياسي بقدر ما هو أخلاقي.
في الإنجيل، كانت التضحية مفروضة. فُرضت بعنف سلطة ظالمة. أما في لبنان، فإن المعاناة الحالية ليست فقط ثمرة القدر أو الشدائد الخارجية. إنها، إلى حد بعيد، نتيجة خيار متعمّد. خيار حزب الله. فمنذ سنوات، صادر سيادة البلاد باسم “مقاومة” تحولت إلى مجرّد تجريد، وفرض منطق الحرب الدائمة، واستبدل ولاءه لطهران بأي وفاء للبنان. لقد سرق من هذا البلد سلامه، واقتصاده، وحتى موتاه. بل إن في استحضار “المقاومة” فيما يجري تدمير ما تبقى من وطن، شيئًا من التدنيس. وفي الحديث عن الكرامة الوطنية بينما يُحرم اللبنانيون من أي سيادة فعلية، شيء من الكذب. هذه ليست حتمية. إنها مسؤولية.
ومع ذلك، يفعل اللبنانيون ما فعلوه دائمًا. يحتفلون بالحياة وسط الكارثة، لا عن غفلة، بل عن قناعة عميقة بأن لا أحد، وبالتأكيد لا ميليشيا ولا من يقف وراءها، يملك الحق في رهن الوجود. إن الاحتفال بالفصح في مثل هذه الظروف هو فعل وعي بقدر ما هو فعل إيمان. طريقة للقول إن القيامة لا يمكن أن يصادرها أولئك الذين يصنعون الموت.
ثم هناك تلك الصورة، في قلب رواية الفصح: الحجر.
ذلك الحجر الضخم، الذي دُحرج ووُضع أمام قبر المسيح ليختم النهاية، ويقفل الرجاء نفسه. حجر أثقل من أن تحرّكه النساء الآتيات صباحًا. حجر يقول: لقد انتهى كل شيء. واليوم، لهذا الحجر اسم في لبنان. إنه هذا الغطاء الثقيل من الحرب المفروضة على شعب لم يعد يحتمل. حجر سياسي وأيديولوجي خانق.
لكن في الإنجيل، تبدأ القيامة تحديدًا من هناك: حين يُدحرج الحجر. كأنها انقلاب على الألم. الدليل على أن ما بدا مغلقًا بإحكام ليس مغلقًا حقًا إلى الأبد. وأن حتى أكثر الأنظمة ثقلًا يمكن أن تتصدع.
والسؤال في لبنان هو: من سيدحرج الحجر؟
هذا الحجر، في صباح الفصح قبل ألفَي عام، كان قد تحرّك، فانفجر النور من خلفه. هذا هو معنى المعجزة: ليس مجرد الأمل بأن الأمور ستتغير، بل اليقين بأنها لا يمكن أن تبقى على ما هي عليه إلى الأبد.
مواضيع ذات صلة :
اليكم عدد الضحايا والنازحين منذ بدء الحرب | الاتحاد الأوروبي: “الحزب” جرّ لبنان للحرب وعليه نزع السلاح | سلام: لا أحد يفاوض عن لبنان سوى الدولة |




