مفاوضات واشنطن: لبنان على مسار التحرّر من النّفوذ الإيرانيّ

ترجمة هنا لبنان 17 نيسان, 2026

كتبت Natasha Metni Torbey لـ”Ici Beyrouth”:

ثمّة صور تختصر ما تعجز عنه بيانات مطوّلة. تلك الّتي التُقطت، يوم الثلاثاء، في وزارة الخارجيّة الأميركيّة، وجمعت الوفديْن اللبنانيّ والإسرائيلي برعاية وزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو، تندرج ضمن هذا الإطار. فهي، بحدّ ذاتها، تمثّل تحوّلًا مفصليًّا: للمرّة الأولى منذ عام 1983، يلتقي مسؤولون من البلديْن ضمن إطار سياسيّ معلن، أي مفاوضات مباشرة تعترف بها واشنطن، وتتبنّاها صراحة.

مفاوضات على مراحل
جرت وقائع يوم الرّابع عشر من نيسان وفق تسلسل مدروس بعناية. ففي المرحلة الأولى، استقبل المسؤولون الأميركيّون، ومن بينهم مستشارون رفيعو المستوى في وزارة الخارجيّة، كلّ وفد على حدة. ولم تُعقد اللّقاءات المباشرة سوى لاحقًا، خلف أبواب مغلقة وبعيدًا عن الإعلام.
وقد كرّس بيان وزارة الخارجيّة الأميركيّة هذا التحوّل، حين تحدّث صراحة عن “إطلاق مفاوضات مباشرة” بين لبنان وإسرائيل، وهي صياغة تحمل دلالات دبلوماسيّة بالغة.
من الجانب الأميركيّ، رسم ماركو روبيو الإطار منذ البداية، متعمّدًا توسيع نطاق النّقاش. فالأمر لا يقتصر على السّعي إلى وقف إطلاق النّار، بل يتجاوز ذلك إلى إطلاق مسار يهدف إلى “إنهاء عشرات السّنين من عدم الاستقرار”، وفتح الطّريق أمام تسوية مستدامة. كما تربط واشنطن اليوم، بشكل واضح، أي تقدّم أمنيّ بإعادة إعمار لبنان وإنعاش اقتصاده، مع التّشديد على هدف محوريّ يتمثّل في حصر السّلاح بيد الدولة اللبنانيّة.
في هذا السّياق، أعلنت الولايات المتّحدة عن حزمة مساعدات إنسانيّة جديدة بقيمة 58.8 مليون دولار، يُنظر إليها كأداة دعم سياسيّ لبيروت في ظلّ ضغوط داخليّة متزايدة.
على الجانب الإسرائيلي، تبنّى سفير الدولة العبريّة في واشنطن، يحيئيل لايتر، لهجة حازمة. فبينما شدّد على التّهديد الّذي يمثّله حزب الله، أكّد في الوقت عينه إنّ أمن المدنيّين الاسرائيليّين “غير قابل للتّفاوض”. وفي هذا الإطار، طرحت إسرائيل تفكيك التّنظيم المدعوم من إيران كشرط مسبق لأي تقدّم نحو اتّفاق سلام، باعتباره مدخلًا لا غنى عنه.
مع ذلك، أبدى لايتر نبرة أكثر إيجابيّة عقب محادثات استمرّت ساعتيْن مع نظيرته اللبنانيّة ندى حمادة معوّض، قائلًا: “اكتشفنا اليوم أنّنا في جهة المعادلة عينها. وهي النّتيجة الأكثر إيجابيّة الّتي كان يمكن أن نرجوها. فنحن نتشارك الهدف عينه: تحرير لبنان من قوّة احتلال تُدعى حزب الله”.
في المقابل، تمسّك الوفد اللبنانيّ، ممثّلًا خصوصًا بسفيرة لبنان في واشنطن، بموقف بيروت الرسميّ، مع إعطاء الأولويّة لوقف فوريّ لإطلاق النّار، إلى جانب تطبيق اتّفاق الهدنة الموقّع في تشرين الثّاني 2024، واحترام السّيادة اللبنانيّة بشكل كامل، وإدراج البعد الإنسانيّ، لا سيّما عودة النّازحين إلى قراهم، كركيزة أساسيّة لأي تسوية.
والآن؟
في ختام هذه المرحلة الأولى، لم يُبرم أي اتّفاق، لا سيّما بشأن مسألة وقف إطلاق النّار، إذ وُصفت الاجتماعات بأنّها “تحضيريّة” تمهيدًا لمفاوضات محتملة ستُعقد على مستويات متعدّدة.
يدخل المسار الآن مرحلة التّقييم. إذ يتعيّن على إسرائيل أوّلًا دراسة المطالب اللبنانيّة الّتي قدّمتها معوّض. فإذا ما مُنح الضّوء الأخضر، يمكن الإعلان عن وقف لإطلاق النّار، بما يفتح الباب أمام مفاوضات أكثر تنظيمًا ووضوحًا.
وفي حال عدم التوصّل إلى اتّفاق، من المتوقّع عقد اجتماعات جديدة في واشنطن، مع احتمال توسيع دائرة النّقاش لتشمل الجوانب السياسيّة، والأمنيّة، والإنسانيّة. بالنسبة إلى بيروت، يتجاوز الرّهان حدود التّفاوض ليصبح اختبارًا للمصداقيّة. وكما لخّص السّيناتور الأميركيّ ليندسي غراهام، بين تفاؤل حذر، وتشكيك واضح، “على لبنان الانتقال من القول إلى الفعل”، في إشارة مبطّنة إلى قدرة الدولة، لا سيّما الجيش، على فرض سلطتها في مواجهة حزب الله.

ملفّ لبنان منفصل عن إيران
بعيدًا عن مضمون المحادثات الجارية، يبدو أنّ أكثر التحوّلات أهميّة يكمن في طريقة إدارة الملفّ بحدّ ذاته.
فبحسب مصادر أميركيّة نقلتها وسائل إعلام لبنانيّة، وأوروبيّة، وإسرائيليّة، بات ملفّ لبنان يُدار مباشرة من قبل ماركو روبيو، والأهمّ أنّه يُعالج بصورة منفصلة عن الملفّ الإيرانيّ.
يمثّل هذا الفصل، الّذي لا يُعتبر تفصيلًا تقنيًّا، انعطافة مهمّة في المقاربة الأميركيّة. فلبنان، وعلى مدى سنوات، كان يُنظر إليه كامتداد للسّاحة الإيرانيّة، وغالبًا ما يُدار منها. أمّا اليوم، فتسعى واشنطن إلى فكّ هذا التّرابط بين المساريْن.
ويأتي هذا التحوّل في سياق إقليمي معقّد، حيث جرت محادثات موازية مع إيران على مسارات أخرى، بينها إسلام آباد، من دون تحقيق اختراق حاسم. في المقابل، أكّدت بيروت في أكثر من مناسبة رفضها تفاوض طهران باسمها، أو بالنّيابة عنها.
يعيد الرّفض اللبنانيّ، المقترن بإرادة أميركيّة واضحة لتقليص النّفوذ الإيرانيّ، رسم قواعد اللّعبة. وتتمثّل الرّسالة في أنّ طهران لم تعد مسؤولة عن صياغة مستقبل لبنان.
على أرض الواقع، تبقى الملفّات متشابكة. فحزب الله يواصل التحرّك بعيدًا عن إطار المواقف والقرارات الرسميّة اللبنانيّة، باعتباره جزءًا عضويًّا من البنية الاقليميّة الايرانيّة. ومن هذا المنطلق، يبقى الفصل بين هذيْن البعديْن رهانًا سياسيًّا، وواقعًا عمليًّا قائمًا.
مع ذلك، يمنح هذا التطوّر لبنان مسؤوليّة جديدة وثقيلة. فمع الخروج من العباءة الإيرانيّة، يجد نفسه في الواجهة. ولم تعد بيروت مجرّد ساحة تفاوض غير مباشر، بل باتت طرفًا مباشرًا في نتائج خياراتها، لا سيّما بعد انخراطها في هذا المسار الأوّل من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.
في هذه المعادلة، ترسم واشنطن سقفًا طموحًا: إضعاف النّفوذ الإيرانيّ بشكل مستدام، ونزع سلاح حزب الله، وفتح الطّريق أمام استقرار طويل الأمد. إنّها، بتعبير ماركو روبيو، “فرصة تاريخيّة”. غير أنّ التحدّي الحقيقيّ يبقى في تحويل هذه الفرصة إلى مسار فعليّ راسخ ومستدام.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us