حرب مضيق هرمز الخفية: من يُملي قواعد التّجارة العالميّة؟

ترجمة هنا لبنان 6 أيار, 2026

ترجمة “هنا لبنان”

كتب Marc-Jérémie Boulos لـ”Ici Beyrouth“:

في مضيق هرمز، لم تعد المواجهة محصورة بالسفن الحربية. فخلف المرافقة الأميركيّة والتهديدات الايرانيّة، تتكشّف مواجهة أعمق وأكثر حساسية: مواجهة القانون. ومع إطلاق دونالد ترامب “مشروع الحريّة”، تتحرّك واشنطن لمنع نشوء سابقة، قد تعيد رسم قواعد التجارة البحريّة العالميّة.

هرمز: مضيق في قلب القانون الدوليّ

يُعتَبر مضيق هرمز واحدًا من أهمّ الممرات الاستراتيجية في العالم، ولا تقتصر أهميّته على موقعه الجغرافيّ، بل تمتدّ إلى طبيعته القانونية. ولأنّه مضيق مستخدَم للملاحة الدوليّة، يخضع لنظام “المرور العابر” المنصوص عليه في اتفاقيّة الأمم المتّحدة لقانون البحار.

ويضمن هذا المبدأ مرورًا حرًّا ومستمرًّا لجميع السفن، لا تتخلّله أي عوائق. وهو ليس امتيازًا تمنحه الدول المطلّة على المضيق، بل حقًّا دوليًّا راسخًا. وبالتالي، يستبعد هذا النظام أي فرض أحاديّ للرسوم، أو القيود على العبور.

وهذا تحديدًا هو الإطار الّذي تسعى إيران إلى إعادة اختباره، من خلال التلويح بفرض رسوم على السفن العابرة للمضيق. ولن يشكّل إجراء مماثل مجرّد أداة ضغط سياسية، بل إعادة صياغة وضع مضيق هرمز القانونيّ.

شبح عودة الرّسوم البحريّة

تعيد فكرة فرض رسوم على المرور في مضيق استراتيجيّ إلى الأذهان، مرحلة سعى القانون الدوليّ الحديث إلى تجاوزها. فعلى مدى قرون، كانت طرق التجارة عبر البحار مجزّأة بفعل رسوم وحقوق عبور، فرضتها القوى المحليّة المسيطرة على الممرات الحيوية.

وقد بدأ تفكيك هذا النظام تدريجيًّا في القرن التاسع عشر، لا سيّما عبر ترتيبات كوبنهاغن الّتي أنهت نظام الرسوم في المضائق الدنماركيّة، لتكرّس مبدأً محوريًّا في القانون البحريّ: على بعض الممرّات الدولية أن تبقى مفتوحة أمام الجميع، من دون أي تمييز أو عوائق مالية.

شكّل هذا الإرث قانون البحار المعاصر. ويعني التشكيك في هذا المنطق، عمليًّا، إعادة فتح مرحلة اعتمدت فيها التجارة الدوليّة على قدرة الدول على تحويل موقعها الجغرافيّ إلى أداة للجباية والتسعير.

“مشروع الحريّة”: عملية قانونية مفروضة بالقوة

في هذا السّياق، يندرج “مشروع الحرية” الّذي أطلقته إدارة ترامب. ورغم تقديمه كإجراء لضمان أمن الملاحة، يبدو أقرب إلى اختبار قانونيّ يُنفَّذ في ظروف واقعيّة.

تقوم الاستراتيجية الأميركيّة على مرافقة السفن عبر المضيق من دون دفع أي رسوم عبور. وبضمان مرورها، لا تقتصر الولايات المتّحدة على حماية حركة الملاحة البحريّة فحسب، بل تطعن بشكل مباشر في مشروعيّة المطالبة الإيرانيّة.

وتساهم كلّ عملية عبور ناجحة، تحصل من دون تسديد أي رسوم، في إضعاف الموقف الإيرانيّ، وتحول من دون ترسيخ قاعدة جديدة.

معركة السّوابق

يتجاوز هذا الرّهان مضيق هرمز بكثير. فالقانون الدوليّ لا يتشكّل بالنصوص وحدها، بل أيضًا بسلوك الدول وممارساتها. فإذا قبلت شركات الشحن بالدفع، ولو تحت الضغط، قد يسهم ذلك تدريجيًّا في ترسيخ فكرة تقاضي الرسوم، ومنحها قدرًا من الشرعية.

في المقابل، إذا استمرّ المرور البحريّ بحرية تحت الحماية الأميركيّة، قد تصبح القاعدة الإيرانيّة غير قابلة للتطبيق عمليًّا بفعل غياب التنفيذ، لتبقى مجرّد مطالبة سياسية من دون أي أثر قانونيّ فعليّ.

إنّها معركة السوابق الّتي نشهدها اليوم. فخلف مرافقة كل سفينة، تتبلور محاولة للتّأثير في مسار تطوّر القانون البحريّ العالميّ.

إذا فرضت واشنطن منطقها

إذا نجحت العملية الأميركيّة في تحقيق هدفها، فستكون التداعيات بالغة الأهمية. إذ ستتعزّز حرية الملاحة، ليس كمبدأ نظريّ فحسب، بل كواقع فعليّ ملموس.

ومن شأن نجاح مماثل أن يردع دولًا أخرى عن محاولة فرض رسوم على الممرّات الاستراتيجية، كما سيؤكّد أنّه يتعيّن على شرايين التجارة العالميّة الكبرى أن تبقى بعيدة عن منطق الجباية الأحاديّة.

لكنّ هذا النجاح يحمل أيضًا بعدًا أكثر تعقيدًا. فهو يذكّر بأنّ احترام القانون الدوليّ يرتبط بقدرة القوى على فرض تطبيقه. ومن خلال ضمان حريّة الملاحة عبر وجودها العسكريّ، تُظهر الولايات المتّحدة أنّ قانون البحار لا ينفصل عن موازين القوى.

بحر يستعيد طابعه السياسيّ

تكشف أزمة هرمز عن تحوّل أعمق. فالمجالات البحريّة، الّتي اعتُبرت طويلًا فضاءات عامة مستقرّة نسبيًّا، تعود لتتحوّل إلى ساحات مواجهة مباشرة بين رؤى متنافسة للنظام الدوليّ.

وبعيدًا عن التوتّرات الآنيّة، يبرز سؤال محوريّ: هل سيظلّ الاقتصاد العالميّ قائمًا على قواعد مشتركة، أم سيدخل مرحلة جديدة يصبح فيها كل ممرّ استراتيجيّ قابلًا للتحكّم والجباية من قبل القوى المهيمنة عليه؟

في هذه الحرب غير المرئيّة، لا تتحرّك السفن وحدها، بل تتحرّك معها المبادئ عينها الّتي تنظّم الاقتصاد العالميّ.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us