قلعة الشقيف (بوفور): رمز غياب السيادة اللبنانية الدائم

ترجمة هنا لبنان 1 حزيران, 2026

كتب Fred Khair لـ”Ici Beyrouth“:

بعد ستة وعشرين عامًا على الانسحاب الإسرائيليّ من قلعة الشقيف (بوفور) وجنوب لبنان، أعادت صور العلم الإسرائيليّ الّذي يُرفرف مُجدّدًا فوق القلعة، إلى الواجهة، واقعًا تواجه الدولة اللبنانية صعوبةً في مواجهته: عجزها عن بسط سيادتها الكاملة على كامل أراضيها طوال هذه الفترة، في ظلّ ممارسة حزب الله هذه السيادة في المناطق الخاضعة لسيطرته.

تُشرف هذه القلعة التاريخية على نهر الليطاني وتحتلّ موقعًا استراتيجيًّا بالغ الأهميّة في جنوب لبنان، وقد شكّلت على مرّ القرون رمزًا للصراعات الّتي رسمت ملامح المنطقة. شيّدها الصليبيّون، وكانت مسرحًا لمعارك ضارية بين رينو دي صيدا وصلاح الدين الأيوبيّ، الّذي تمكّن في نهاية المطاف من الاستيلاء عليها عام 1190.

من منظمة التحرير الفلسطينية حتّى اليوم: سيادة معلّقة

في عام 1978، وخلال عملية الليطاني، سيطرت إسرائيل على المنطقة المُحيطة بالقلعة، قبل أن تستولي عليها نهائيًّا عام 1982 إثر معارك عنيفة مع مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية. وظلّ الجيش الإسرائيليّ مُتمركزًا فيها حتّى انسحابه من جنوب لبنان في أيار 2000.

في تلك المرحلة، استخدمت منظمة التحرير الفلسطينية جنوب لبنان قاعدةً خلفيّةً في حربها ضدّ إسرائيل، مستفيدةً من أحكام اتفاق القاهرة لعام 1969، الّذي منحها حرّية العمل العسكريّ على الأراضي اللبنانية، على حساب سيادة الدولة.

وبعد مرور نصف قرن تقريبًا، تبدو الظروف الّتي قادت إلى سقوط قلعة الشقيف في قبضة إسرائيل، في بعض جوانبها، متشابهةً بشكلٍ لافتٍ. إذ تؤثّر دائمًا جهات مسلّحة من خارج إطار الدولة، ومرتبطة بمصالح خارجية، على جنوب لبنان وتبسط نفوذها فيه. ولا يقتصر أثر هذا الواقع على أبناء الجنوب فحسب، بل يمتدّ إلى اللبنانيين جميعهم، إذ يضع البلاد في خدمة أجندات تُهدّد اليوم وجود لبنان، أو على الأقلّ استمراره بصيغته الرّاهنة.

تذكير تاريخيّ وإنذار مستقبليّ

ليست قلعة الشقيف مُجرّد أثر من الماضي، بل ينبغي أن تجسّد ذاكرة حيّة لعواقب إضعاف الدولة وتراجع سيادتها. فقد شكّل جنوب لبنان مرارًا ساحةً لصراعات فرضتها مصالح خارجية، على حساب شعبه، واستقراره، ونموّه.

ويُسلّط هذا الواقع الضوء، أكثر من أي وقتٍ مضى، على الحلّ الوحيد الّذي يفرض نفسه: قرار سياديّ لبنانيّ خالص، يقضي ببسط سلطة الدولة ومؤسّساتها على كامل الأراضي اللبنانية، بشكل كامل وواضح، ومن دون أي التباس أو تأخير.

الهروب إلى الأمام بخطاب الانتصار

في وقتٍ تتراكم فيه الخسائر البشرية وتتّسع رقعة الدمار، يتمسّك خطاب حزب الله السياسيّ بسرديّة “الانتصار”، في مشهدٍ يبدو منفصلًا إلى حدّ كبير عن الوقائع الّتي أفرزتها المواجهات على الأرض.

وبالتوازي، تُسهم الاستفزازات الإعلامية والحملات المُنظّمة عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، الّتي تقودها شخصيّات مقرّبة من حزب الله، في تعميق التوتّرات بين اللبنانيّين. فهي تغذّي خطاب الوصم تجاه فئات سكّانية أنهكتها موجات النّزوح القسريّ، وتحمّلت بصورة مباشرة تداعيات الحروب الّتي خاضها التنظيم المسلّح، كما تؤجّج في الوقت عينه مشاعر الاستياء لدى شريحةٍ من سكان المناطق المُضيفة، ما يُفاقم الانقسامات الاجتماعية ويُعمّق الشرخ داخل المجتمع اللبنانيّ.

ويمثّل هذا الاستقطاب المتزايد خطرًا حقيقيًّا على التماسك الوطنيّ، كما يهدّد استقرار مؤسّسات الدولة واستمراريّتها. فكلّما اتسعت الهوة بين اللبنانيّين، ازدادت قدرة الخطابات الانقسامية على تقويض ما تبقّى من سلطة الدولة وهيبتها، ما لم تبادر المؤسّسات المعنيّة إلى التحرّك لاحتواء هذه التصدّعات ومنع تفاقمها.

خطر قنبلة اجتماعية موقوتة

في الواقع، يزيد وجود عشرات الآلاف من النّازحين في المدارس، والمباني العامة، ومختلف المرافق في أنحاء البلاد، ضمن سياقٍ يتّسم أصلًا بتوتّراتٍ حادّة ويغذّيه خطاب مماثل، فضلًا عن المخاوف من احتمال تسلّل عناصر مسلحة بينهم، من الضغوط على المجتمعات المضيفة.

وفي غياب تحرّك الدولة الاستباقيّ وحزمها، قد يتحوّل هذا الواقع تدريجيًّا إلى قنبلةٍ اجتماعيةٍ موقوتةٍ بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

وتعكس المخاوف الّتي أُثيرت مؤخرًا بشأن مخيّم النّازحين المستحدث في واجهة بيروت البحرية، هواجس متصاعدة من احتمال توظيف الشّارع في سياقات سياسية. وتكتسب هذه المخاوف بُعدًا إضافيًّا في ظلّ تصريحات أمين عام حزب الله، نعيم قاسم، الّتي توحي بتزايد الرّغبة في ممارسة الضغط على الحكومة والمؤسّسات عبر أدوات الحشد الشعبيّ.

استعادة سلطة الدولة

في مواجهة هذه التحدّيات، يتعيّن أن تثبت الحكومة قدرتها على منع أي استغلال سياسيّ للنازحين، وعلى صون السلم الأهليّ الّذي بات أكثر هشاشةً من أي وقت مضى.

وهذا الحزم ضروريّ على الصعيد الدبلوماسيّ أيضًا. ففي وقتٍ يخوض فيه لبنان مفاوضات مع إسرائيل برعاية الولايات المتحدة ودعمها، وتشجيع الأخيرة السلطات اللبنانية على المضيّ في هذا المسار، ترتبط مصداقيّة الدولة مباشرة بقدرتها على فرض احترام قراراتها داخل المناطق الّتي من المفترض أن تخضع لسلطتها الكاملة.

وقد شكّل التردّد بشأن ملف نزع سلاح حزب الله، الّذي سُجل خلال الأشهر الأخيرة، أحد أبرز محاور النقاش مع الولايات المتحدة، لا سيّما في أعقاب التصريحات الرسمية الّتي تحدّثت عن إنجاز مراحل أولية ضمن آليّات الإشراف المعتمدة.

وحتى وإن أدرك المجتمع الدوليّ، وفي مقدمته الولايات المتحدة، أنّ مسألة نزع السلاح في جنوب لبنان تبقى بالغة التعقيد في المدى المنظور، فالدولة اللبنانية مُطالبة، على الأقل، بإظهار قدرتها على ممارسة سلطتها الكاملة في المناطق الّتي لا تخضع مباشرة لنفوذ حزب الله العسكريّ أو السياسيّ.

شرط الدعم الدوليّ الأساسيّ

لن يتمكّن لبنان من إحراز أي تقدّم ملموس في المفاوضات الجارية ما لم يُقنع شركاءه بإرادته الجدّية على استعادة سلطة الدولة وبسطها على كامل أراضيه، وقدرته الفعليّة على تحقيق ذلك.

وتكمن الفرصة الأسرع والأقرب إلى الواقع لتحقيق ذلك في إثبات أنّ الأمن الداخليّ يقع حصرًا ضمن صلاحيات مؤسّسات الدولة الشرعية، وفي مقدمتها الجيش اللبنانيّ، وقوى الأمن الداخليّ، والأجهزة الأمنية الرسمية كافة.

أمّا قلعة الشقيف، الّتي شكّلت مرارًا رمزًا لصراعات لبنان، فمن المفترض أن تتحوّل اليوم إلى رمزٍ لصحوة وطنية، تدرك أنّ أي نهوض مُستدام لا يمكن أن يتحقّق ما لم تكن الدولة الجهة الوحيدة المُخوّلة احتكار السلطة، واستخدام القوة على كامل أراضيها.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us