لبنان والحزب: هل من عودة لسوريا؟

ترجمة هنا لبنان 12 حزيران, 2026

كتب Marc Saikali لـ”Ici Beyrouth”:

جملة قصيرة تكاد تضيع وسط تدفق الكوارث الراهنة. في مقابلة مع شبكة NBC بُثّت يوم الأحد، قال دونالد ترامب: “سوريا تقوم بعمل ممتاز لإعادة الأمور إلى مسارها الصحيح. وقائدها ممتاز. وسيسعده تقديم المساعدة للبنان”. والمقصود: دخول البقاع، ونزع سلاح حزب الله.
ذلك لأنّ الميليشيا غير الشرعية، ومنذ خريف عام 2024، لم تعد كما عهدناها. لقد ضعفت، من دون أدنى شك، ودُمّر الجزء الأكبر من أنفاقها، وصُفّيَ قادتها واحدًا تلو الآخر.
غير أنّ عملها لزعزعة الاستقرار متواصل. فقد أعادت نشر جزء كبير من قواتها، ودفنت ما تبقّى من ترسانتها في البقاع، الّذي يتعرض يوميًّا للقصف الإسرائيليّ.
لكنّ الوقت هذه المرة قد لا يكون في صالحها… وليس في لبنان فحسب. ففي سوريا أيضًا، يعود وجود حزب الله إلى الواجهة مجددًا. فلا يكاد يمر أسبوع من دون أن تعثر سلطات دمشق على أنفاق، أو مستودعات أسلحة خزّنتها الميليشيا الموالية لإيران في الأراضي السورية منذ سنوات. بسط حزب الله سيطرته على بلديْن في الوقت عينه. وهو يترك بصماته أينما حلّ.
إذا ما تحققت منطقية ترامب، تكون الصورة هي التالية: الإسرائيليون من الجنوب، والسوريون من الشرق، في البقاع. هل يذكركم هذا بشيء؟ فكّا كماشة. ضغط من جهتيْن على لبنان، وهو، هذه المرة أيضًا، لم يقرر شيئًا.
وكأنّنا عدنا إلى عام 1978، حين أطلقت إسرائيل “عملية الليطاني”. وقبل ذلك بعاميْن، كان حافظ الأسد، الّذي لم يتقبل يومًا وجود جاره الصغير، قد أرسل جيشه لاحتلال البلد. آنذاك، اكتشف لبنان أنّه أصبح ساحة تُصفّى عليها حسابات القوى الإقليمية. وبعد مضي ثمانية وأربعين عامًا، لم تتغير الجغرافيا. ولم يتغير التاريخ. والمشكلة هي هي: يحتكر تنظيم مسلح، في تلك الحقبة منظمة التحرير الفلسطينية، واليوم حزب الله، قرار الدولة الاستراتيجيّ.
غير أنّ أحمد الشرع يتقدّم مثقل الخُطا… هو الّذي ليس بمنأى عن الاضطرابات. ففي عام 2026، أرغمته المواجهات في حلب بين القوات الحكومية والميليشيات الكردية على تقديم تنازلات سياسية موجعة. المسألة الكردية لم تحسم بعد، والغضب الدرزيّ يتأجج في الجنوب، فيما يصعب على العلويين تقبّل إقصائهم المفاجئ عن السلطة. رجلٌ في وضع هشّ في وطنه، مُكلَّف بمهمة احتواء الفوضى عند الجار.
هذه هي الكلفة الّتي تكبدها لبنان بسبب حزب الله. يتعدّى الأمر مجرد الآلاف من القتلى، والدمار، والاقتصاد المنهار. فلبنان خسر سيادته، وقدرته على تقرير مصيره. هذا لأنّ ميليشيا تتلقى أوامرها من طهران قد قررت استخدام لبنان، طوال أربعين عامًا، كقطعة على رقعة الشطرنج الإيرانية: منصة إطلاق، وصمام أمان.
لقد ضحّت الميليشيا غير الشرعية بالشباب اللبنانيّ، وبقراه، وبمستقبله، إرضاء لآيات الله. رجال يعيشون في أقبية، في قلب طهران، لن تطأ أقدامهم البقاع يومًا، ولن يذرفوا دمعة واحدة على أنقاض الجنوب.
لعلّ المقلق أكثر يكمن في مكان آخر: في حقيقة أنّ الاسرائيليين، والسوريين، والإيرانيين، والأميركيين يهيمنون على الحديث حين تُطرح مسألة مستقبل لبنان، وحتى اليوم؛ كما لو أنّ مجرد فكرة أن يقرّر اللبنانيون مصيرهم بأنفسهم، باتت ثانوية. هذا هو الثمن الفعليّ لأربعين عامًا من الميليشيا: التسبب تدريجيًّا في أن يعتاد العالم، وفي بعض الأحيان اللبنانيون، على عدم النظر إلى لبنان كفاعل مستقل، إنّما كأرض تحولها القوى الأخرى إلى مسرح لمصالحها، ومخاوفها، وحروبها.
قال إتيان دو لا بويسي: “كونوا عازمين على ألّا تخدموا بعد اليوم، فتصبحون أحرارًا”. مأساة لبنان لا تكمن في أنه تعرّض للغزو والاستغلال، بل في أنّه خلص إلى الاعتقاد بأنّ هذا الواقع طبيعيّ.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us