طهران تستغلّ نواحي الاتفاق الغامضة مع واشنطن

ترجمة هنا لبنان 1 تموز, 2026

كتب Bruno Philip pour Mondafrique

أدّى الغموض المحيط بالاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران إلى فتح ثغرة استراتيجية. فمن خلال فرض قراءتها الخاصّة لبنود الاتفاق الّتي جرى التفاوض عليها، تُحوّلُ إيران مضيق هرمز إلى أداة ضغط، وتدفع نحو تصعيد عسكريّ جديد، في مشهد يبرز كيف يمكن أن تولّد دبلوماسية متعجّلة أزماتها الخاصّة، قبل حتى الوصول إلى السلام الإقليميّ المنشود.
لم يكن ذلك مفاجئًا، بل جاء تأكيدًا لما كان يُخشى منه بسبب صياغة بنود الاتفاق الموقّع بين واشنطن وطهران الغامضة، والقابلة للتأويل. وقد استغلّت إيران هذه الالتباسات اللغوية لمصلحتها، ورفعت منسوب التوتّر في الخليج الفارسيّ إلى مستويات متصاعدة.
واستهدفت طهران الأسبوع الماضي سفينة حاويات كانت تُبحر قبالة سواحل عُمان، في منطقة يعتبرها “الحرس الثوريّ” منطقةً “خارج نطاق العبور” بالنسبة إلى السفن، وطلبت منها المرور بمحاذاة السواحل الإيرانية إذا أرادت الإبحار بأمان. صحيح أنّ الاتفاق لا يتضمّن أي إشارة إلى ذلك، غير أنّ الغموض في صياغة المذكّرة أتاح للإيرانيين تأويلها بحرية.
وقد أعقب الحادث ردّ أميركيّ استهدف قواعد إيرانية تضمّ مواقع لتخزين الصواريخ والطائرات المُسيّرة. وأدّت هذه الضربة بدورها إلى ردٍّ إيرانيّ جديد تمثّل هذه المرّة في استهداف البحرين، وسفينة أخرى كانت تعبر مضيق هرمز. والسؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت هذه الجولة الجديدة من التصعيد العسكريّ تُمهّد لاستئناف طويل الأمد للنزاع، أم أنّها مجرد مناورة عسكرية – دبلوماسية إيرانية جديدة، تهدف إلى الضغط على المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران.
الغموض سلاحًا
تفرض حقيقة واحدة نفسها: يقف الغموض الدلاليّ في بنود الاتفاق، إلى جانب استعجال الولايات المتحدة في توقيع هذه المذكرة المؤلفة من “14 نقطة”، في أصل “سوء الفهم”. فقد نصّ الاتفاق فعلًا على أن تلتزم إيران بـ”اتخاذ تدابير وبذل كل الجهود الممكنة لضمان مرور آمن للسفن التجارية” عبر مضيق هرمز لمدة 60 يومًا.
وتكمن المُشكلة في أنّ طبيعة هذه “التدابير” وتلك “الجهود” غير محدّدة بدقّة، ما يجعلها قابلة لتأويلات مُتباينة وتقديرات ذات طابع ذاتيّ. وقد سارعت إيران إلى استغلال هذه الثغرة الواسعة، معتبرةً أنّ هذه الصياغة تمنحها هامشًا لتحديد المسار الّذي يفترض أن تسلكه السفن. وكانت طهران قد حذّرت بالفعل قبل ضربتها الأولى في السادس والعشرين من حزيران بأنّ المسار الوحيد المسموح به عبر المضيق يمرّ عبر مياهها، وبأنّ أي مسار بديل بمحاذاة الساحل العُمانيّ محظور على السفن، بحكم الأمر الواقع.
وهكذا، يتأكّد ما بات اليوم بديهيًّا: تسعى إيران إلى تكريس حقّها في تحديد من يمرّ ومن لا يمرّ، فارضة بحكم الأمر الواقع درجةً من السيطرة على المضيق، على نقيض ما أراده الأميركيّون، الّذين كانت أولويتهم منع طهران من الوصول إلى موقع يسمح لها بالتحكم بهرمز.
وهو ما يشكّل دليلًا إضافيًّا على أنّ الولايات المتحدة تسرّعت في عدم فرض صياغة أكثر تقييدًا، على الرغم من أنّ هذا الاتفاق لا يعدو كونه مذكرة مؤقتة يُفترض استكمالها خلال شهرين. وقد كان موقف صحيفة “نيويورك تايمز” حادًّا في تحليلها، إذ أشارت إلى أنّ “الغموض في اللغة الّتي قبِل بها المفاوضون الأميركيّون في اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت مع إيران يبدو أنّه عاد ليطاردهم، بعد أقل من أسبوعين على توقيع الاتفاق من قبل الطرفيْن”.
أمّا أسباب الاستعجال الأميركيّ في توقيع هذه الاتفاقات فأصبحت معروفة. فهي “تعمّدت استخدام لغة مرنة لأنّها ربما شكّلت الوسيلة الوحيدة لتمريرها”، كما ترى نيكول غراييفسكي، الأستاذة المساعدة في مركز الدراسات الدولية في “ساينس بو” (Sciences Po) في باريس، كما نقلت عنها الصحيفة الأميركية. وتضيف: “لكنّ المرونة ليست مجدية إلّا إذا أضفى الطرفان المعاني عينها على البنود الغامضة ذاتها”. وهو ما لا ينطبق على هذه الحالة. إذ تؤكد أيضًا أنّ “غموض الاتفاق المؤقت دفع الطرفيْن إلى محاولة تعريف الوقائع على الأرض لمصلحتهما، قبل أن تُحسم أي حالة عدم يقين في اتفاق نهائيّ”.
أمّا الخبير غريغوري برو (Gregory Brew)، المحلّل الرئيسيّ في مجموعة “أوراسيا” (Eurasia Group)، فيرى أنّ إيران تسعى، عبر استخدام القوة، إلى اختبار الأميركيّين لمعرفة إلى أيّ حدّ يمكنها “توسيع نفوذها على المضيق”، حتى لو كان ذلك يعني اختبار صبر ترامب المعروف بتقلّبه.
مع ذلك، وكما يلاحظ الخبير عينه، “إذا كان تحرّك عسكريّ محدود كفيلًا بإغلاق الطريق العُمانيّ، ودفع حركة الملاحة البحرية نحو مسارات يمكن لإيران التحكم بها، فلماذا لا يقدم الإيرانيون على خوض هذه التجربة؟”. ويرى أنّ هذا الاحتمال يُصبح أكثر ترجيحًا لأنّ إيران “واثقة إلى حدٍّ كبيرٍ” من أنّ الولايات المتحدة لن تخاطر بإعادة إشعال صراع واسع النطاق. وقد يكون هذا صحيحًا إذا ما أخذنا في الاعتبار اعتبارات ترامب في السياسة الداخلية قبل أشهر قليلة من انتخابات منتصف الولاية. ولكن، مع ذلك، قد تؤدّي النّزعة الإيرانية إلى المغامرة، في الحد الأدنى، إلى تعطيل مسار السلام وتأخير التوصّل إلى خاتمة كان الأميركيّون، غير المطلعين والمتمركزين حول الذات، قد اعتقدوا بسذاجة أنّها قريبة وسريعة.
ولكي تزداد الأمور تعقيدًا، تعاني الاتصالات بين واشنطن وطهران تشويشًا على خط الاتصال. فقد صرّح نائب الرئيس جيه. دي. فانس في مقابلة مع قناة تلفزيونية أميركية بأنّ قناة تواصل قد أُنشئت بين العسكريين الأميركيين والإيرانيين بهدف تفادي أي سوء فهم. لكنّ المتحدث باسم الباسداران، ذاك “الحرس الثوريّ” الّذي يشكّل اليوم قيادةً أقل دينية وأكثر سلطوية من أي وقت مضى، ردّ بالنفي: إذ لم يتم إنشاء أي “هاتف أحمر” على الطريقة السوفياتية – الأميركية خلال الحرب الباردة في ما يتعلق بمشاكل مضيق هرمز. بداية لا تبشر بالخير. أو بالأحرى: تستمر بشكل سيء.
هرمز، عملة تفاوض جديدة
ستشكّل مسألة إدارة هرمز، على أي حال، نقطة خلاف متكرّرة في محادثات من المتوقّع أن تكون معقّدة وطويلة، حيث يبدو أنّه من الصعب الالتزام بمهلة الستين يومًا في مثل هذا السياق. ومن المعروف أنّ القادة الإيرانيين، والعسكريين، والمدنيين، يعتزمون إدارة حركة الملاحة في المضيق، حتى مع بقاء شروط هذه الإدارة غامضة. وقد طرح بعض مسؤولي النظام فرضية أن يحصل ذلك بالتعاون مع عُمان.
وعلى الرغم من تأكيد إيران أنّها لن تفرض “رسوم عبور”، وهي كلمة محرّمة في الخطاب الأميركيّ، تتحدث الجمهورية الإسلامية عن فرض “رسوم” على السفن الّتي تعبر هرمز، مع رفضها في الوقت الراهن تحديد سبب هذه “الاقتطاعات” الدقيق.
وتعتقد صحيفة “وول ستريت جورنال” أنّها حصلت على سبق جديد في هذا الشأن. فبحسب مقال قدمته على أنّه “حصريّ”، ونشرته في الخامس والعشرين من حزيران، أي في اليوم الّذي سبق استئناف تبادل إطلاق النار، تكون طهران قد أجرت بالفعل حساباتها، وفق بعض المصادر “المطّلعة جيدًا”. وتحصيل ما يقدّمه الإيرانيّون على أنّه ضرائب مقابل “خدمات الأمن والسلامة والبيئة” المفروضة على السفن العابرة للمضيق “قد يدرّ نحو 40 مليار دولار من العائدات سنويًّا”. ومن شأن هذا الإجراء، في حال تطبيقه، أن “يمنح طهران سيولةً ونفوذًا لم تملكهما من قبل”.
ويُقال إنّ “المخطّطين” الإيرانيين استلهموا نماذج مطبّقة في أماكن أخرى من العالم، لا سيّما في مضيق الدردنيل، حيث تفرض تركيا رسومًا على السفن عند العبور نحو بحر إيجه أو الخروج منه.
لكنّ هذه الرسوم، بحسب الخطة الّتي كشفتها وول ستريت جورنال، لن تذهب إلى خزائن إيران فحسب، بل أيضًا إلى خزائن الدول المجاورة. إذ ترغب طهران في أن تُشكّل الممالك النفطية في الخليج الفارسيّ طرفًا في الاتفاق، وأن تُشارك في عائدات هذه “الرسوم” الّتي ترفض أن تُسمّى بهذا الاسم.
يبقى كلّ ذلك في الوقت الراهن مجرّد تكهنات، ومراهنة على مستقبل غير محسوم، بينما يتحدث الرصاص مجددًا في إطار حربٍ لم تعد ترغب هي الأخرى في إعلان اسمها. والحقيقة أنّ قائمة العواقب السلبية، بالنسبة إلى الأميركيّين وبقية العالم، النّاتجة عن عدم استعداد “الدبلوماسيّين” الأميركيّين للتوصّل إلى تفاهمات مع إيرانيّين متمرّسين في فنّ التفاوض، قد ازدادت طولًا مرة أخرى.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع ذات صلة :

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us