إيران والعدّ التنازلي

كتب Charles Chartouni لـ ”Ici Beyrouth”:
تقترب المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران من محطتها الأخيرة، ومن الوهم توقّع تحوّلٍ جذريّ في الأسابيع المقبلة. وتتركّز أبرز نقاط الخلاف حول إدارة مضيق هرمز، واحترام القانون الدوليّ للبحار، والهجمات الّتي تُشنّ على الدول المجاورة، ومدى الالتزام بالاتفاقات الثنائية الموقّعة بين الطرفيْن، والعقوبات المالية، فضلًا عن برامج التسلّح التقليديّ والنوويّ. وتعكس هذه الخلافات تبايناتٍ بنيوية عميقة تجعل أي مصالحة دائمة أمرًا مستبعدًا. وليس في هذا الاستنتاج ما يدعو إلى الاستغراب، فهو يندرج في سياق المسار الّذي سلكته الجمهورية الإسلامية على مدى سبعة وأربعين عامًا.
لقد حاول كل رئيس أميركيّ معالجة هذا الملف من دون أن ينجح في التوصّل إلى تسوية مستدامة. وفي نهاية كل ولاية، كانت الأزمات تُرحَّل بدلًا من أن تُحسم. ويعود دونالد ترامب اليوم إلى هذا الملف بعد مرحلتيْن من المواجهة العسكرية، وسياسة احتواء انتهجتها الولايات المتحدة بين ولايتيْه. ويبدو أنّ واشنطن عالقة اليوم في استراتيجية استنزاف، تجمع بين العقوبات، والضغوط، والضربات الدقيقة الّتي تستهدف البنى التحتية الاستراتيجية الّتي تُمكّن إيران من مواصلة سياسة الإكراه المعتمدة.
وبغض النظر عن المسار الّذي سيسلكه الصراع، تبقى القضية الجوهرية هي النظام. فالجمهورية الإسلامية تدّعي لنفسها وضعًا أيديولوجيًّا استثنائيًّا يضعها، وفق منطقها الخاص، فوق القواعد المشتركة الناظمة للعلاقات الدولية، سواء في داخل حدودها أم في خارجها. ومن هذا المنطلق، تتشكّل سياستها الإقليمية والدولية القائمة على التخريب، والترهيب، وإسقاط القوة.
يمتد مناخ الرعب الّذي يفرضه النظام على المجتمع الإيرانيّ إلى شبكات زعزعة الاستقرار الّتي يرعاها في الشرق الأوسط وما بعده. ولا تأتي المفاوضات الجارية، في نهاية المطاف، إلّا لتؤكد ما أثبتته تجربة العقود الأربعة الماضية.
فالاتفاقات المبرمة مع الدول المجاورة لم تُحدث يومًا أثرًا رادعًا لدى سلطة ماضية في مشروعها التوسعيّ. وتشهد على ذلك التوترات المتكررة في مضيق هرمز، والانتهاكات المستمرة للقانون الدوليّ للبحار، والهجمات الّتي تستهدف دول المنطقة. والأكثر دلالة هو أنّ النظام لا يزال يتفاوض من أجل الإبقاء على “منصاته العملياتية المتكاملة”، الّتي دمرتها العمليات الإسرائيلية بعد مذبحة السابع من تشرين الأول 2023، إلى حدّ كبير. ويبدو أنّ هدفه ليس التوصّل إلى تسوية دائمة، بقدر ما هو إعادة بناء ميزان القوى الّذي كان قائمًا، مقابل تعويضات مالية وتخفيف للعقوبات. وفي هذا السياق، تبقى القدرات الباليستية في صلب المفاوضات، رغم أنّ النظام يتحمّل مسؤولية عقود من زعزعة الاستقرار الإقليميّ.
تندرج هذه الاستراتيجية في سياق متصل، حيث تمتدّ الحروب التقليدية إلى الإرهاب، والحروب بالوكالة، والجريمة المنظمة. ويُضاف إلى ذلك تحالفات ظرفية مع القوى النيوتوتاليتارية، وعدد من الأنظمة في أميركا اللاتينية، لا سيّما فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا، بهدف مضاعفة بؤر التوتر الموجّهة ضد الولايات المتحدة. وتعكس هذه الشراكات أشكال المواجهة الاستراتيجية الجديدة الّتي تميّز مرحلة ما بعد الحرب الباردة.
ويستند المعارضون لأي تدخل عسكريّ، في المقام الأول، إلى المخاطر الّتي تنطوي عليها حرب جديدة وما قد تخلّفه من تداعيات جيوسياسية على شرق أوسط يعاني أصلًا اختلالات عميقة. غير أنّ سؤالًا جوهريًّا يظل مطروحًا: هل رفض الحرب يمنع اندلاعها، أم أنّه لن يؤديَ سوى إلى تأجيل مواجهة باتت حتمية؟
ويتجاوز هذا التساؤل مسألة الحرب ليطرح قضية إمكان قيام سلام إقليميّ دائم. فالأزمة الإيرانية قد لا تشكل سوى انعكاس لاختلالٍ أعمق، تتجلى ملامحه في هشاشة الدول، واستبدادية الأنظمة، وتوازنات لا تقوم إلّا على موازين القوى. وينبغي أن تنطلق أي استراتيجية لتحقيق الاستقرار من هذا الواقع. ومن هذا المنظور، يبدو من الصعب التوفيق بين استمرار النظام الإيرانيّ وبين تحقيق تهدئة إقليمية حقيقية.
ويجسّد لبنان هذه الإشكالية بوضوح. فمنذ عقود، يشكّل أحد أبرز أدوات إسقاط النفوذ الإيرانيّ. ويكشف إدراجه في المفاوضات عن أهداف طهران الحقيقية: الحفاظ على أذرعها الإقليمية، وصون قدرتها على الإضرار، وكسب الوقت، بدلًا من السعي إلى تسوية نهائية. وتبقى استراتيجية الفوضى المُمأسسة في صميم نهجها. وما دامت هذه المنظومة هي السائدة، ستظل آفاق الاستقرار محدودة. وستواصل المنطقة مسارها ضمن توازنٍ هش، تحمل فيه كل أزمة بذور الأزمة الّتي تليها.
مواضيع ذات صلة :
ضربات أميركية واسعة لإيران… وطهران تردّ باستهداف الكويت وقطر والبحرين والأردن | إيران: حرب المعسكرات في قمّة النظام | لا حليف كامل ولا خصم: قطر على خطّ التوازن في مواجهة إيران |




