المفاوضات اللبنانية-الإسرائيلية تهزّ التوازنات: لبنان على مفترق تاريخي!

مستوى الانخراط الأميركي المباشر في الملف اللبناني يعكس تحولاً نوعياً في مقاربة واشنطن، وإعلان تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع إضافية بعد انتهاء المهلة الحالية خطوة تعكس وجود خطة مدروسة لإدارة التصعيد. وبذلك نجحت الدبلوماسية اللبنانية، رغم غياب عناصر القوة التقليدية، في إبعاد شبح الحرب تدريجياً وتثبيت هذا الاتفاق
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
في ظلّ التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، برزت الجولة الثانية من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل في واشنطن كحدث مفصلي أعاد وضع الملف اللبناني في صدارة الاهتمام الدولي. هذا التطور، الذي تزامن مع حراك دبلوماسي مكثف تقوده الولايات المتحدة وتصعيد ميداني محسوب، يعكس مرحلة دقيقة تتقاطع فيها الحسابات المحلية مع التوازنات الإقليمية، وبين مؤشرات على انخراط أميركي غير مسبوق ومحاولات لفتح مسار تفاوضي جديد، تبقى الأنظار متجهة إلى مآلات هذه الجولة وما قد تحمله من فرص للتهدئة أو مخاطر التصعيد، في ظل ارتباط وثيق بمسار المفاوضات الأوسع بين واشنطن وطهران وانعكاساتها على الساحة اللبنانية.
وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي نايف عازار لـ”هنا لبنان” إنّه لا شك أنّ ما جرى في اللقاء الثاني بين لبنان وإسرائيل يُعد محطة تاريخية، سواء من حيث الشكل أو المضمون. فعلى مستوى الشكل، يشير إلى أنه تم نقل مكان انعقاد اللقاء في الساعات الأخيرة من وزارة الخارجية الأميركية إلى البيت الأبيض، في خطوة تحمل دلالات سياسية واضحة، فيما يؤكد أنّ الأهم كان الحضور اللافت للرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى جانب كامل فريقه الحاكم، بما في ذلك نائب الرئيس ووزير الخارجية وكبار المسؤولين، ما يعكس تعمّد الإدارة الأميركية إضفاء أهمية استثنائية على هذا اللقاء.
ويضيف عازار أنّ هذا التطور يؤكد أنّ لبنان بات متقدماً على سلم أولويات واشنطن، بعدما كان لفترة طويلة خارج دائرة الاهتمام المباشر، لافتاً إلى أنّ ذلك تزامن مع إعلان تمديد وقف إطلاق النار لثلاثة أسابيع إضافية، في مؤشر على رغبة أميركية في منح المسار الدبلوماسي فرصة أكبر.
وعند سؤاله عن إمكانية عقد لقاء بين الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ينقل عازار ما أعلنه ترامب بأنّ هذا الأمر قد يصبح ممكناً بعد انتهاء فترة وقف إطلاق النار، معتبراً أنّ ذلك يُعدّ تطوراً يفوق توقعات معظم المراقبين.
وفي المقابل، يشير عازار إلى أنّ الساحة الميدانية شهدت تصعيداً لافتاً، حيث أقدم حزب الله على إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل، مبرراً ذلك بالرد على هجمات إسرائيلية استهدفت بلدات جنوبية قبيل انعقاد اللقاء، وهو ما يعكس بحسب رأيه حالة الضغط المتزايد التي يواجهها الحزب، والتي قد تدفعه إلى مزيد من التصعيد العسكري أو حتى إلى افتعال توترات داخلية في محاولة لتغيير المسار السياسي المتجه نحو تهدئة أو ربما اتفاق أمني مع إسرائيل.
ويختم عازار بالتأكيد أنه رغم أنّ الملف اللبناني بات يُدار بشكل مباشر من قبل الدولة اللبنانية بالتنسيق مع الولايات المتحدة، إلا أنّ الصورة الأوسع تبقى مرتبطة بمسار المفاوضات الإقليمية، لا سيما تلك المحتملة بين واشنطن وطهران في إسلام آباد، مشدداً على أنّ أي تعثر في هذه المفاوضات سينعكس سلباً على لبنان عبر تصعيد محتمل من قبل حزب الله بتوجيه إيراني، في حين أن أي تقدم أو انفراج سينسحب إيجاباً على الوضع اللبناني ويفتح الباب أمام مزيد من الاستقرار.
أما الصحافي والمحلل السياسي إيلي بدران فيرى أنّ المشهد التفاوضي المرتبط بلبنان يتشكل اليوم ضمن سياق إقليمي ودولي معقّد لا يمكن فصله عن مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، والتي لا تزال حتى الآن تفتقر إلى الجدية الكافية لإحداث خرق فعلي ينعكس على الساحة اللبنانية، ما يفرض حالة من الجمود النسبي ويُبقي التحركات ضمن إطار جسّ النبض وتبادل الرسائل السياسية غير المباشرة.
وفي موازاة هذا التعثر، يشير بدران إلى أن المرحلة الراهنة تُدار بمنطق “إدارة الأزمة” لا حلّها، حيث يقتصر الحراك على اتصالات ولقاءات محدودة وغير معلنة، من بينها تواصل غير مباشر بين ممثلين لبنانيين وإسرائيليين عبر قنوات دولية بهدف اختبار النوايا أكثر من إطلاق مفاوضات فعلية ذات جدول زمني واضح.
ميدانياً، تستمر العمليات العسكرية بوتيرتها الحالية، في وقت يطالب فيه لبنان بوقف التصعيد، لا سيما عمليات نسف المنازل، كمدخل أساسي لأي مسار تفاوضي جدي، وهو طرح قد يجد آذاناً مصغية لدى الجانب الإسرائيلي في ظل ضبابية المشهد الإقليمي وحرص مختلف الأطراف على تجنب الانزلاق نحو مواجهة واسعة.
وفي المقابل، يواصل الجيش الإسرائيلي تثبيت سيطرته على المناطق التي دخلها مع السعي إلى توسيع نطاق نفوذه الميداني، ما يمنحه أوراق قوة إضافية في أي مفاوضات لاحقة، ويعكس توجهاً نحو فرض وقائع ميدانية قابلة للبناء السياسي.
ورغم هذه التعقيدات، يلفت بدران إلى أنّ المؤشرات السياسية الأخيرة تعكس تقدماً نسبياً في المسار الدبلوماسي تُرجم في الاتفاق على تمديد وقف إطلاق النار، وهو ما يشكّل بحسب تعبيره ضربة للسردية التي تعتبر أنّ لبنان فقد أوراق قوته، مؤكداً أن الدبلوماسية اللبنانية نجحت، رغم غياب عناصر القوة التقليدية، في إبعاد شبح الحرب تدريجياً وتثبيت هذا الاتفاق.
إلا أنّ بدران يحذر من هشاشة وقف إطلاق النار في ظل عدم التزام واضح من قبل حزب الله، مستشهداً بتصريحات صادرة عن أحد نوابه، فضلاً عن استمرار الاشتباكات والعمليات العسكرية وتوقيف أحد عناصر “الرضوان” داخل ما يُعرف بالخط الأصفر في جنوب لبنان، ما يعكس استمرار التوتر الميداني.
وعلى المستوى الإقليمي، يشدد على أنّ عدم نضوج التسويات الكبرى، خصوصاً مع تعثر المفاوضات الإيرانية–الأميركية، يُبقي احتمالات التصعيد قائمة، بما في ذلك احتمال عودة الولايات المتحدة إلى خيار المواجهة في حال فشل المسار الدبلوماسي.
وفي ما يتعلق بالأفق السياسي، يرى بدران أنّ إسرائيل تعمل على تحسين موقعها التفاوضي تمهيداً لطرح صيغ سياسية لاحقة قد تشمل إعادة إحياء مبدأ “الأرض مقابل السلام” ولكن وفق شروط جديدة تفرضها موازين القوى الميدانية، فيما يتمسك الموقف اللبناني الرسمي بعدم التنازل عن الحقوق السيادية كما أكد رئيسا الجمهورية والحكومة ونُقل أيضاً عن البطريرك.
ويختم بدران بأنّ المرحلة الحالية انتقالية بامتياز، عنوانها الانتظار والترقب، حيث لا حسم عسكرياً ولا تسوية سياسية ناضجة، بل مسار طويل من الضغوط المتبادلة وإعادة رسم التوازنات بانتظار تبلور صورة إقليمية أوضح.
من جهته، يرى المحلل السياسي آلان سركيس أنّ اللقاء الذي عُقد في واشنطن بين السفيرة اللبنانية ونظيرها الإسرائيلي، بحضور وزير الخارجية الأميركي ومتابعة مباشرة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يشكّل محطة مفصلية يمكن وصفها بـ”صناعة التاريخ”.
ويشير إلى أنّ أهمية هذا اللقاء لا تكمن فقط في كونه الأول من نوعه برعاية رئيس أميركي، بل في مستوى الانخراط الأميركي المباشر في الملف اللبناني، ما يعكس تحولاً نوعياً في مقاربة واشنطن، لافتاً إلى إعلان ترامب عن تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع إضافية بعد انتهاء المهلة الحالية، في خطوة تعكس وجود خطة مدروسة لإدارة التصعيد.
ويضيف أنّ تحديد إطار زمني محتمل للقاء بين الرئيس اللبناني ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فترة الهدنة يفتح الباب أمام مسار تفاوضي غير مسبوق، ويدخل لبنان في مرحلة جديدة ذات أبعاد تاريخية.
وبحسب سركيس، فإنّ تصريحات ترامب حول أن “السلام في لبنان سهل التحقيق” تعكس رؤية أميركية واضحة لتسوية تشمل لبنان وإسرائيل، إلا أن نجاحها يبقى مرتبطاً بتطورات الأيام المقبلة.
ويؤكد أن الولايات المتحدة تمسك بزمام المبادرة، فيما تبدي إسرائيل تجاوباً مع الطرح الأميركي، مع الحفاظ على حقها في الدفاع عن نفسها ضمن ضوابط تمنع انهيار الهدنة.
في المقابل، يلفت إلى ضرورة ترقب ردود فعل حزب الله وإيران في ظل محاولة سحب الملف اللبناني من دائرة نفوذهما، ما قد يدفع هذا المحور إلى خطوات تصعيدية، مع وجود مؤشرات على ضغوط داخلية وتهديدات سياسية تشمل احتمال إسقاط الحكومة في حال المضي بلقاء مباشر مع نتنياهو.
ويختم سركيس بأنّ الكرة في ملعب الدولة اللبنانية التي تواجه اختباراً حقيقياً، مشدداً على أهمية الحذر بانتظار ما ستؤول إليه مواقف القوى الداخلية.
مواضيع مماثلة للكاتب:
بين الهدنة والحرب: “هرمز” يشعل المواجهة الأميركية–الإيرانية من جديد | سيناريوهات ما بعد الهدنة بين لبنان وإسرائيل: تهدئة دائمة أم عودة للتصعيد؟! | الكابينيت يرفع سقف المواجهة: النار مستمرة والقرار مؤجَّل |




