التصعيد الأميركي ـ الإيراني يضع هرمز ولبنان في قلب المواجهة الإقليمية

المنطقة لا تقف بالضرورة أمام حرب شاملة، بل أمام مرحلة من التصعيد المحسوب، يُحاول خلالها كل طرف رفع كلفة المواجهة على الطرف الآخر من دون الانزلاق إلى حربٍ مفتوحةٍ. لكن، في الوقت نفسه، أي خطأ في الحسابات قد يؤدّي إلى تغيير قواعد الاشتباك.
كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:
تتسارع التطورات في المنطقة على وقع تصاعد التوتّر بين الولايات المتحدة وإيران، وسط مشهد إقليمي بالغ التعقيد، تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية والأمنية. وبين مؤشرات تهدئة محدودة وعودة متكرّّرة إلى التصعيد، تتزايد المخاوف من انزلاق المواجهة إلى مستويات أكثر خطورة، لا سيما مع احتدام الصراع حول مضيق هرمز، وتنامي الهواجس من اتساع رقعة الاشتباك لتشمل أطرافًا إقليميةً ودوليةً جديدة.
وفي ظلّ تضارب التقديرات بشأن مستقبل المفاوضات بين واشنطن وطهران، تتّجه الأنظار إلى طبيعة الانقسامات داخل دوائر صنع القرار في البلدَيْن، وإلى تداعيات هذا الصراع على ملفّات المنطقة، وفي مقدمتها الساحة اللبنانية. وبين احتمالات التصعيد ومساعي الاحتواء، يقدّم الكاتب السياسي يوسف قاسم والعميد المتقاعد جوني خلف قراءتَيْن متقاطعتَيْن لمسار المرحلة المقبلة وحدود المواجهة المحتملة.
وفي حين يركّز قاسم على البُعد السياسي والاستراتيجي للصراع وتوازناته الإقليمية، يُسلّط خلف الضوء على الجانب العسكري وانعكاساته المباشرة على لبنان والمنطقة.
يرى قاسم أنّ المشهد الإقليمي لا يزال يعيش حالةً من الإرباك، سواء على مستوى الموقف الأميركي أو الإيراني، مشيرًا إلى أنّ التباينات داخل مراكز القرار في البلدين أصبحت أكثر وضوحًا، وأنّها تلعب دورًا أساسيًّا في تحديد مسار المرحلة المقبلة.
ويقول إن إيران تشهد صراعًا بين أكثر من جناح، في مقدمتها التيار المتشدّد المرتبط بالحرس الثوري، والذي يرفض التسوية التي جرى التوصل إليها، معتبرًا أنّها لم تحقق مكاسب فعليّة لطهران. ويتابع أن هذا التيار يرى في الاتفاق عاملًا قد يؤدّي إلى أزمة داخلية داخل النظام، ولذلك يدفع باتجاه استمرار المواجهة وعدم تقديم تنازلات.
في المقابل، يُشير قاسم إلى وجود تباينات داخل الإدارة الأميركية نفسها، لافتًا إلى أن نائب الرئيس ينظر إلى الاتفاق مع إيران باعتباره فرصة استراتيجية قد تخدم المصالح الأميركية على المدى الطويل، سواء على المستوى الاقتصادي أو السياسي، فضلًا عن مساهمته في تقليص انخراط واشنطن في حروب المنطقة.
ويُضيف أنّ وزير الخارجية ماركو روبيو يتبنّى رؤية أكثر تشدّدًا، تقوم على زيادة الضغوط على إيران، بما في ذلك استخدام الأدوات العسكرية والسياسية لإضعاف قدراتها والنظام القائم فيها.
ويتابع قاسم أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب كان أقرب إلى خيار التسوية، وهو ما أدّى إلى الاتفاق الذي تمّ التوصل إليه، إلّا أنّ التطوّرات الأخيرة أعادت خلط الأوراق، خصوصًا مع تصاعد التوتّر حول مضيق هرمز.
وبحسب قاسم، تؤكّد إيران أنها تخلّت عن خيار امتلاك السلاح النووي، لكنّها في المقابل تتمسّك بملفَّيْن تعتبرهما من ركائز نفوذها الإقليمي. الأول يتمثل في حزب الله في لبنان، بوصفه أحد أبرز حلفائها العسكريين في المنطقة، والثاني هو مضيق هرمز، الذي يمثل ورقةً استراتيجيةً قادرةً على التأثير في حركة التجارة والطاقة العالمية.
ويشير إلى أنّ طهران تسعى إلى فرض قواعد جديدة للملاحة في المضيق، من خلال التحكّم بمسارات مرور السفن، في محاولةٍ لتعزيز نفوذها على أحد أهم الممرّات البحرية في العالم. إلّا أنّ هذا الأمر يواجه اعتراضًا أميركيًا وخليجيًّا وأوروبيًّا، نظرًا إلى تداعياته على أمن الملاحة الدولية.
ويرى قاسم أن التوتّر الأخير تجاوز حدود المواجهة الثنائية بين واشنطن وطهران، وبات يأخذ أبعادًا إقليميةً ودوليةً أوسع، مع دخول إسرائيل وعدد من الدول العربية والأوروبية على خطّ الأزمة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ويُضيف أنّ عدم التوصّل إلى تفاهم شامل حول مستقبل مضيق هرمز خلال المرحلة المقبلة قد يؤدّي إلى زيادة مستويات التصعيد، بما يرفع احتمالات توسّع الأزمة وانعكاساتها على المنطقة بأكملها.
وفي السياق نفسه، يُشير إلى أنّ حلف شمال الأطلسي بات أقرب إلى الموقف الأميركي في مقاربة الملف الإيراني، ما قد يمهّد أمام تشكيل تحالف دولي تقوده واشنطن لفرض ترتيبات أمنية جديدة أو ممارسة ضغوط إضافية على طهران.
ويخلص قاسم إلى أنّ جميع الاحتمالات تبقى مفتوحةً، وأنّ مسار الأزمة يرتبط إلى حدٍّ كبيرٍ بقدرة القيادة الإيرانية على إدارة التباينات الداخلية، خصوصًا في ظلّ تصاعد نفوذ التيار المتشدّد الذي يدفع باتجاه خيارات أكثر صدامية.
من جهته، يرى العميد المتقاعد جوني خلف أنّ التهدئة القائمة لم تعد ثابتةً كما كانت، في ظلّ التطورات الميدانية الأخيرة والتصعيد المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران، على الرغم من الهدوء النسبي الذي شهدته المنطقة خلال الفترة الماضية.
ويقول خلف إنّ القرارات الأميركية الأخيرة تجاه طهران شكّلت مؤشرًا إلى تراجع مسار التفاهمات، مع عودة المواجهة إلى الواجهة. ويوضح أنّ الولايات المتحدة استهدفت مواقع مرتبطة بالقدرات العسكرية الإيرانية وأمن الملاحة البحرية، فيما ردّت طهران عبر هجمات صاروخية وطائرات مُسيّرة طالت مواقع في محيط الخليج.
ويتابع أنّ الخطر الأساسي يكمن في احتمال توسّع دائرة الاشتباك لتشمل دولًا خليجيةً أو أطرافًا إقليميةً أخرى، مشيرًا إلى أنّ مضيق هرمز أصبح محورًا رئيسيًا في التصعيد الحالي. ويعتبر أن أمن الملاحة البحرية بات يمثل نقطة مواجهة أساسية، إذ تستخدمه إيران كورقة ضغط استراتيجية، بينما تنظر إليه واشنطن كمسألة أمن دولي لا يمكن تجاوزها.
وعن المسار السياسي، يلفت خلف إلى أنّ المفاوضات بين الطرفين تبدو مجمّدة في المرحلة الراهنة، على الرغم من استمرار الاتصالات غير المباشرة عبر وسطاء، ما يُبقي الباب مفتوحًا أمام احتمالات تفاهمات مستقبلية.
ويرى أنّ المنطقة لا تقف بالضرورة أمام حرب شاملة، بل أمام مرحلة من التصعيد المحسوب، يُحاول خلالها كل طرف رفع كلفة المواجهة على الطرف الآخر من دون الانزلاق إلى حربٍ مفتوحةٍ. لكنّه يحذر، في الوقت نفسه، من أن أي خطأ في الحسابات قد يؤدّي إلى تغيير قواعد الاشتباك.
وعن لبنان، يؤكّد خلف أنّ التطوّرات في الجنوب اللبناني ترتبط بشكل مباشر بمسار المواجهة الأوسع بين واشنطن وطهران، وأنّ ملف حزب الله لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي القائم.
ويشير إلى أن لبنان قد يشهد تحرّكات واتصالات عسكرية وسياسية مرتبطة بالمرحلة المقبلة، في ظلّ اهتمام دولي ببحث ترتيبات أمنية في الجنوب، بالتزامن مع استمرار الحراك الإيراني في بيروت، ما يعكس الترابط بين الملفَّيْن اللبناني والإيراني.
ويتابع أن الدولة اللبنانية تسعى إلى الفصل بين الوضع الداخلي والتجاذبات الإقليمية، إلّا أنّ طبيعة المرحلة تجعل هذا الفصل بالغ الصعوبة، خصوصًا مع استمرار تأثير التطورات الإيرانية في الساحة اللبنانية.
ويختم خلف بالتأكيد أنّ المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران لا تزال ضمن مستويات محسوبة، لكن احتمالات خروجها عن السيطرة تبقى قائمةً، بما في ذلك احتمال دخول إسرائيل بشكل مباشر على خطّ المواجهة إذا تطوّرت الأحداث نحو مرحلة أكثر خطورة.




