التصعيد الأميركي – الإيراني يعود إلى الواجهة… هل تدخل المنطقة مرحلة أكثر خطورة؟


خاص 9 تموز, 2026

يبقى لبنان جزءاً من معادلة الشرق الأوسط، ووجود “الحزب” ضمن محور إيران يجعل لبنان معنياً بأي تصعيد إقليمي. ولكن حتى الآن لا توجد مؤشرات تدل على نية الحزب فتح جبهة مواجهة مع إسرائيل، إلا إذا خرجت الأمور عن السيطرة واتسعت رقعة العمليات العسكرية بشكل كبير، كما حصل في مراحل سابقة

كتبت ناديا الحلاق لـ”هنا لبنان”:

لم يدم الهدوء بين الولايات المتحدة وإيران طويلاً، إذ عادت المواجهة العسكرية بين الطرفين إلى الواجهة بعد سلسلة ضربات متبادلة أعادت المنطقة إلى أجواء التصعيد. فمع تعثّر مسار التفاوض وبقاء الملفات الخلافية الكبرى من دون حلول، بدا أنّ وقف إطلاق النار لم يكن سوى هدنة مؤقتة قابلة للانهيار عند أول اختبار. ويأتي التصعيد الأخير، الذي تركز حول مضيق هرمز وأمن الملاحة الدولية، ليعيد طرح تساؤلات حول مستقبل الصراع بين واشنطن وطهران، واحتمالات تحوله إلى مواجهة أوسع، وانعكاساته على أمن الخليج واستقرار المنطقة، بما في ذلك لبنان الذي يبقى جزءاً من معادلاتها الإقليمية.

وفي الإطار، يقول العميد المتقاعد جوني خلف لـ”هنا لبنان” أنّ “تجدد الاشتباكات بين الولايات المتحدة وإيران لم يكن مفاجئاً، بل كان متوقعاً في ضوء مسار المفاوضات التي جرت خلال الفترة الماضية، وما رافقها من اتفاق لوقف إطلاق النار بقي هشاً ولم يتحول إلى تسوية شاملة.
ويشير إلى أنّ “مهلة التسعين يوماً التي طُرحت لاستكمال المفاوضات لم تعكس جدية كافية لدى الطرفين، ولا سيما أنّ الملفات الخلافية الأساسية بقيت مؤجلة، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، ونفوذ إيران وأذرعها في الشرق الأوسط، إضافة إلى أمن الملاحة الدولية في مضيق هرمز”.
ويؤكد خلف أنّ “هذه القضايا كانت بمثابة “قنبلة موقوتة” يمكن أن تعيد تفجير الوضع في أي لحظة، وهو ما بدأ يظهر من خلال التصعيد الذي شهدته الأيام الأخيرة، بعدما كانت بوادر التوتر قد بدأت منذ الأسبوع الماضي”. كما يلفت إلى أنّ “الولايات المتحدة كانت قد وصفت الضربات الأخيرة، على لسان وزير الدفاع، بأنها ضربات تحذيرية رداً على ما تعتبره استهدافاً إيرانياً للسفن التجارية في مضيق هرمز، وهو أمر تعدّه واشنطن خطاً أحمر لا يمكن القبول به، خاصة في ظل استمرار سياسة الحصار والضغط على طهران”.
ويضيف أنّ “السبب الرئيسي لتجدد الاشتباكات يعود إلى أنّ وقف إطلاق النار لا يزال هشاً، إذ لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي يعالج جميع النقاط العالقة بين الجانبين، ما يجعل احتمالات التصعيد قائمة في أي وقت. ومع ذلك، يستبعد خلف أن تتطور المواجهة إلى حرب واسعة كالتي شهدتها المنطقة خلال الأشهر الماضية، موضحاً أنّ الضربات المتبادلة ما تزال محصورة ضمن نطاق عسكري محدد، وتستهدف قواعد ومواقع عسكرية، كما حصل في عدد من دول الخليج”.
ويعتبر خلف أنّ “الطرفين يدركان حدود التصعيد، فإيران تعرف أنّ هناك سقفاً لا تستطيع تجاوزه، فيما لا تبدو الولايات المتحدة معنية بالدخول في حرب شاملة، طالما أنّ الحصار البحري والضغوط الاقتصادية والمالية يحققان الأهداف المرجوة في إضعاف إيران من دون تحمل كلفة مواجهة عسكرية واسعة. وفي المقابل، ترى واشنطن أنّ توجيه رسائل عسكرية وتحذيرية يبقى ضرورياً رداً على الهجمات التي تستهدف قواعدها العسكرية وسفنها في المنطقة باستخدام الطائرات المسيّرة وغيرها من الوسائل.
ويخلص خلف إلى أنّ “المشهد لا يزال مضبوطاً إلى حد كبير، وأنّ الطرفين يسعيان إلى إدارة التصعيد وليس الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لأن كلاً منهما يدرك حجم الخسائر التي قد تترتب على أي مواجهة واسعة، خصوصاً في ظل الظروف الحالية.
وعن انعكاسات التطورات على لبنان، يؤكد خلف أنّ “البلاد تبقى جزءاً من معادلة الشرق الأوسط، وأنّ وجود حزب الله ضمن محور إيران يجعل لبنان معنياً بأي تصعيد إقليمي. إلا أنه يشير إلى أنه، حتى الآن، لا توجد مؤشرات تدل على نية الحزب فتح جبهة مواجهة مع إسرائيل، إلا إذا خرجت الأمور عن السيطرة واتسعت رقعة العمليات العسكرية بشكل كبير، كما حصل في مراحل سابقة. ويختم بالتأكيد أنّ الأوضاع، حتى لحظة إجراء هذا الحديث، لا تزال تحت السيطرة، رغم استمرار المخاوف من أي تطورات قد تفرض واقعاً مختلفاً”.

من جهته، يقول الكاتب السياسي إلياس الزغبي إنّ “التطورات الميدانية التي شهدها مضيق هرمز خلال اليومين الماضيين تمثل تحولاً بالغ الخطورة، لأنها تعكس، وفق الوقائع المتداولة، خرقاً واضحاً لمذكرة التفاهم التي كانت قد أُبرمت بين واشنطن وطهران، والتي نصت على ضمان حرية الملاحة وأمنها في هذا الممر البحري الحيوي”.

ويشير إلى أنّ “إيران لم تلتزم بمبدأ العبور الحر للسفن التجارية وناقلات النفط، بل عمدت إلى فرض شروط وإجراءات رقابية خاصة بها، الأمر الذي حوّل حركة الملاحة إلى عملية انتقائية تخضع للقرار الإيراني، قبل أن تنتقل إلى مرحلة أكثر تصعيداً من خلال استهداف عدد من السفن بالصواريخ، ما أدى إلى إصابة بعضها بصورة مباشرة، ومن بينها سفينة قطرية”.

ويضيف أنّ هذه “التطورات دفعت الولايات المتحدة إلى الانتقال من مرحلة التحذير السياسي إلى الرد العسكري، عبر تنفيذ غارات استهدفت مواقع ساحلية إيرانية قالت واشنطن إنها مسؤولة عن عمليات إطلاق الصواريخ واستهداف السفن العابرة في مضيق هرمز”.

ويلفت إلى أنّ “الرد الإيراني لم يقتصر على مواجهة الولايات المتحدة، بل توسع ليشمل التهديد باستهداف دول خليجية تستضيف قواعد عسكرية أميركية، وفي مقدمها البحرين والكويت، وهو ما أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في مستوى التوتر الإقليمي، وأثار ردود فعل خليجية ودولية رافضة لهذا التصعيد”.

ويؤكد أنّ “المملكة العربية السعودية، التي تعرضت إحدى سفنها أيضاً للاعتداء، باتت أكثر اقتناعاً بأنّ أمن الملاحة في الخليج أصبح مهدداً بصورة مباشرة، كما أنّ عدداً من الدول الأوروبية التي كانت تتبنى مقاربة أكثر اعتدالاً تجاه إيران بدأت تميل إلى مواقف أكثر تشدداً بعد التطورات الأخيرة”.

ويرى أنّ “الرئيس الأميركي دونالد ترامب عاد إلى سياسة التهديد، ملوحاً بإلغاء مفاعيل وقف إطلاق النار الذي أرسته مذكرة التفاهم، وبشن ضربات أكثر قسوة على المواقع الإيرانية، ولا سيما تلك المطلة على مضيق هرمز، إذا استمرت طهران في تصعيدها العسكري”.

ويشير إلى أنّ “الوساطة القطرية والباكستانية تواجه اليوم اختباراً بالغ الصعوبة، لأن الدوحة أصبحت معنية مباشرة بالأزمة بعد استهداف إحدى سفنها، ما يجعل قدرتها على الاستمرار في دور الوسيط أكثر تعقيداً، فيما تجد إسلام آباد نفسها أمام تحدٍ مماثل للحفاظ على قنوات التواصل بين الأطراف المتنازعة”.

ويضيف أنّ “فرص احتواء الأزمة تبدو محدودة ما دامت إيران مستمرة في استهداف الملاحة البحرية وتوسيع دائرة عملياتها العسكرية، في مقابل إصرار الإدارة الأميركية على الرد حفاظاً على هيبتها السياسية والعسكرية، ولا سيما في ظل الحسابات الداخلية المرتبطة بالاستحقاقات الانتخابية.”

ويختم بالقول إنّ “إسرائيل تبدو المستفيد السياسي الأول من هذا التصعيد، إذ تعتبر أنّ ما جرى يعزّز موقفها الرافض للتفاهم مع إيران، وقد يمنح حكومة بنيامين نتنياهو الذريعة للعودة إلى الخيار العسكري، سواء لمنع أي محاولة لإحياء البرنامج النووي الإيراني، أو للحد من القدرات الصاروخية الإيرانية وتقليص نفوذ طهران الإقليمي عبر حلفائها، وفي مقدمهم حزب الله.

ويخلص إلى أنّ “المنطقة تقف أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتراجع فرص التهدئة تدريجياً لمصلحة سيناريو التصعيد، فيما يبقى مستقبل التفاهمات السابقة مرهوناً بمدى قدرة الأطراف المعنية على منع انزلاق الأزمة إلى مواجهة إقليمية واسعة”.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us