حلقة الحروب المفرغة: كيف يدفع لبنان ثمن مغامرات حزب الله؟

إن احتكار الدولة اللبنانية وحدها لقرارَيْ الحرب والسلم ليس مطلبًا فئويًا أو تصفية حسابات سياسية، بل هو القاعدة الدستورية والشرط الأساسي لقيام أي دولة طبيعية قابلة للحياة.
كتب جوني فتوحي لـ”هنا لبنان”:
خلف غبار المعارك وصخب الأناشيد الحربية، تقف حقيقة صلبة تُسلّط الضوء على المسار الانحداري الذي يسلكه لبنان منذ عشرين عامًا. ففي كل مرة يقرّر فيها حزب الله دخول مواجهة عسكرية جديدة رافعًا شعارات “النصر” والردع، ينتهي المطاف بالبلاد إلى اتفاقات لوقف إطلاق النار تفرض قيودًا أشد قسوةً، وتنتقص من السيادة الوطنية، وتترك خلفها ركامًا بشريًّا واقتصاديًّا هائلًا، لتدخل الدولة في حلقة مفرغة من الاستنزاف وإعادة الإعمار على حساب كرامة مواطنيها ومستقبلهم. وتؤكد القراءة المتأنّية للحروب الثلاث التي خاضها الحزب وجود نمط متكرّر من سوء التقدير الاستراتيجي، ينتهي في كل مرة بتراجع الموقف اللبناني مقارنةً بما كان عليه قبل بدء القتال.
بدأت هذه الحلقة في 12 تموز 2006 بعملية أسر جنديَّيْن إسرائيليَّيْن من دون علم الدولة أو موافقتها، لتنتهي بحرب مدمرة دامت 33 يومًا وأسفرت عن خسائر بشرية واقتصادية فادحة. وعلى الرغم من إعلان الحزب عن “نصر إلهي”، فإنّ الترجمة السياسية للحرب تمثّلت في القبول بالقرار الدولي 1701، الذي فرض إيجاد منطقة جنوب نهر الليطاني خالية من أي مسلحين أو معدات حربية خارج إطار الدولة، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني بمؤازرة قوات الأمم المتحدة، وهو ما شكّل التراجع الأول عن الواقع الميداني السابق، والذي أقرّ لاحقًا الأمين العام الراحل حسن نصر الله بأنّه لو كان يعلم بحجم ردّ الفعل لما أقدم على الأسر.
وفي تشرين الأول 2023، تكرّر الخطأ الاستراتيجي بإقحام لبنان في حرب استنزاف طويلة تحت عنوان “إسناد غزّة”، التي لم تنجح في تغيير واقع غزّة، بل حوّلت جنوب لبنان إلى أرض محروقة، وهجّرت مئات الآلاف من سكانها. وعند صياغة اتفاق التهدئة في تشرين الثاني 2024، جاءت النتائج بآليّات تنفيذية أكثر تشدّدًا للقرار 1701؛ حيث فُرض حظر كامل لأي نشاط مسلح للحزب جنوب الليطاني تحت إشراف آليّة رقابة دولية صارمة بقيادة واشنطن ومشاركة باريس، والأخطر من ذلك هو احتفاظ إسرائيل بوجود عسكري مباشر في خمس نقاط استراتيجيّة داخل الأراضي اللبنانية كشرط للانسحاب، في سابقةٍ منحت الاحتلال موطئ قدم لم يكن يمتلكه من قبل.
ولم يكد لبنان يستفيق من جراحه حتى قرّر الحزب فجر الثاني من آذار 2026، وردًّا على استهداف واشنطن وتل أبيب للمرشد الإيراني علي خامنئي، إطلاق صواريخ نحو الداخل الإسرائيلي، معلنًا بوضوح تحويل لبنان إلى منصّة متقدّمة لتصفية الحسابات الإقليمية لصالح طهران. وجاء الردّ العسكري الإسرائيلي الأعنف ليشلّ قدرات الحزب العسكرية ويستنزف قياداته، توازيًا مع اتفاق وقف إطلاق نار أعاد صياغة البيئة الأمنية بشكل جذري؛ حيث رُبط الانسحاب الإسرائيلي الكامل بالتفكيك الشامل للبنية العسكرية للحزب في الجنوب، مع إبقاء إسرائيل على هامش تحرّك عسكري واسع وحرية توجيه ضربات إلى أي تهديدات ناشئة، مستبقيةً الشريط الحدودي كمنطقة عازلة.
يكشف هذا التتبّع التاريخي كيف تحوّل سقف الاتفاقات الدولية من التضييق الجغرافي عام 2006، إلى منع النشاط العسكري والرقابة الدولية عام 2024، وصولًا إلى اشتراط التفكيك الكامل للبنية العسكرية في عام 2026 مقابل انسحاب الاحتلال الذي بات يملك حرية الحركة العسكرية المستقبلية.
إن احتكار الدولة اللبنانية وحدها لقرارَيْ الحرب والسلم ليس مطلبًا فئويًا أو تصفية حسابات سياسية، بل هو القاعدة الدستورية والشرط الأساسي لقيام أي دولة طبيعية قابلة للحياة.
لقد أثبتت التجارب القاسية أنّ بقاء السلاح خارج أطر الشرعية الدستورية لا يصنع ردعًا، بل يستدرج دورات متعاقبة من الخراب والدمار يدفع اللبنانيون ثمنها وحدهم من دمائهم واقتصادهم وسيادتهم. إنّ الخروج من هذا النفق المظلم يتطلب التفافًا وطنيًا شجاعًا يستعيد هيبة الدولة، ويحصر السلاح بيد الجيش اللبناني، ويُنهي حقبة الرّهانات الإقليمية التي لم تجلب للبنان سوى الانكسارات تحت مسمّى “الانتصارات”.
مواضيع مماثلة للكاتب:
عقم الستّين يومًا وفرضيّة “الاصطدام المباشر” | “الحزب” في مواجهة “المناطق التجريبيّة”! | مأزق “الحزب”: حين تُنهي التفاهمات زمن “الساحات” |




