حين ينتحر الشباب… لا تستهينوا “بالغارات” النّفسية ومفاهيم الموت العبثيّة!


خاص 19 أيار, 2026

موت الشباب والشابّات مُدمّرٌ وقاسٍ، فكيف إذا كان هذا الموت بقرارٍ ذاتي؟ ماذا يعني أن يقرّر شابٌ وضع نقطةٍ على آخر سطر وجوده على هذه الأرض؟ العالم ليس بخير، الحياة باتت أكثر صعوبةً والخيبات تزيد، وما يحدث يجعلنا ندقّ ناقوس الخطر: انتبهوا من “الغارات” النّفسية!


كتبت نوال نصر لـ”هنا لبنان”:

الدموع تتساقط سيولًا على موتٍ ليس كما الموت. الانتحار موت لكنّه لا يُشبه سواه. عن هذا الموت الغريب العجيب نتكلم. فهل للموت أكثر من مفهوم وفلسفة؟ أحد أسباب انتحار الشباب -يُقال- هو “اندفاعهم لمواجهة حتميّة النهاية بدلًا من الهروب منها”. والموت -كما طرحه “ألبير كامو” هو “العبث الأكبر”. الفلسفة صعبة. فكرة التحرّر من خلال الموت خطيرة. والشابّات والشباب بحاجةٍ أن يتكلّموا بصوتٍ عالٍ. إنّهم بحاجة إلى أن يُنصت إليهم. الجرح الذي يُدمي الكبير قد يقتل المراهق. فهل من ناصحٍ ومؤثّرٍ؟ الأب الذي يحبّه الشباب والشابّات -القريب جدًّا منهم- بيتر حنا يقول لهم “الجروح هي التي تصنع الإنسان وليس الضحكات والأفراح. لا تخافوا من جروحكم. لا تخبّئوا دموعكم. تصالحوا معها. إذا تألّمتم فهذا معناه أنكم حقيقيّون. صلّوا. الصلاة أهم محادثة نُجريها مع الله في ساعات الألم. الصلوات نجاة”.

الصلاة نجاة. لكنّ الحياة ليست سهلةً. ومن يشكّ فليرَ هذا الكمّ من المدرّبين على الحياة “لايف كوتش” الذين وجدوا في المهنة المُستحدثة الإطار المهني في هذا الزّمن الصعب. النصائح قد تكون ثمينةً لكن هل تكفي وحدها لردع مَن يُفكر بالانتحار؟ هل “المكتئب” يُعالج عند مدرّب حياة أم طبيب نفسي؟ الطبيب النفسي الدكتور سمير جاموس يستغرب مثل هذا الكلام “فالمريض النفسي -كما مريض السرطان والقلب والسكري- يحتاج مع النصائح إلى دواء”، ويستطرد بالقول “الانتحار هو الطريقة الوحيدة التي تؤدّي إلى موت المريض النّفسي”. المرض النفسي غير مُميت لكنه قد ينتهي بالموت انتحارًا إذا لم يُعالج جدّيًا. إليكم هذه النسب: 20 في المئة من مرضى الاكتئاب ينتحرون. في مرض الفصام 10 في المئة ينتحرون.

مهم ما نسمع لكن، ثمّة شاب، كان مليئًا بالحياة، ميسورًا، ذكيًّا، سعيدًا، يبدو غير كئيب، وانتحر… يقاطعنا الطبيب النفسي قائلًا: “هذا المرض يُصيب الغني والفقير، الذّكي والأقل ذكاء. وثمّة دراسة جديدة على شريحة من مئة شخص ممّن ماتوا انتحارًا، سُحبت من أدمغتهم من جهة الظهر، عيّنات من “مياه الرأس”. فتبيّن أن السيروتونين (هرمون السعادة) كان منخفضًا جدًّا عند بعضهم. مهمّتنا كأطباء نفسيين متابعة هذا النقص الذي إذا لم يتعالج المكتئب دوائيًّا قد ينتحر”.

ماذا عمّن يتكلّم عن الموت قبل إقدامه على الانتحار. أحد الشباب، ممّن أنهوا حياتهم أخيرًا، كان يسأل زملاءه وأصدقاءه: هل تحزنون إذا متّ، وكأنّه كان يُخطط ويبحث عن تعاطف؟ يُجيب جاموس: “من ينتحر يُخطط في الغالب لذلك. يختار كيف سيموت وكأنّه يستعد لمشروع. قد يُخطّط لقتل مَن يُحبّ قبل أن يقتل نفسه. أمّا مَن ينتحر في “لحظة تخلّي” -بشكلٍ فجائيٍّ- فيكون عادةً يُعاني من القلق. في كل حال، والكلام للطبيب النفسي، الولد، قبل عمر ثماني سنوات، لا يعرف شيئًا عن الموت. يظنّ أن الميت سيعود ويتنفّس. ويبدأ استيعاب فكرة الموت ما بين 8 و18 سنة”.

الشباب والشابّات يبدون سعداء لكنهم -في دواخلهم- يُعانون من كمّ من الأفكار التي قد تتسلّل إليهم في ليلة معتمة. إلى هؤلاء يقول الكاهن بيتر حنا: “الحياة تحاول يوميًّا إخافتكم. واجهوها بالحبّ. أحبّوا أكثر. سامحوا أكثر. أنسوا أكثر. وثقوا أكثر. وحين يتسلّل إليكم حبّ الانتقام وتأتيكم الفرصة لذلك، حينها فقط نعرف ثقتكم بالله. إذا كنتم تثقون حقيقة فيه أتركوا كل شيء بين يديه وتراجعوا. في هذه اللحظة بالذات تتأكّد حريتكم وقوتكم”.

الحبّ مطلوب. الصلوات ضرورية. لكن، وجود الشيطان -المتمثّل بالشرّ الهائل- من شأنه السيطرة على بعض المرضى لا على مَن لا يؤدّون الفرائض الدّينية. الدين يُحصّن. أمّا الدواء فصحيًّا مطلوب. في الغرب كلّ مَن يبلغ سن الرّشد يجب أن يُحصّن نفسه بطبيب نفسي ومحامٍ يعود إليهما كلّما احتاج. عندنا الأمر مضحك – مبكٍ. المريض النفسي في لبنان -بحسب سمير جاموس- تنقصه الثّقافة المُسبقة ليُحاول أن يُحصّن نفسه. الأطباء -أطباء العائلة- يلزمهم أيضًا الكثير من الثقافة النفسية. فهل تتصوّرون طبيبًا يقول لمريضه: شو إنت مجنون لتروح عند طبيب نفسي؟ المريض المُكتئب قد تلزمه جلسات كهرباء وأدوية لا مجرّد نصيحة. النصيحة مفيدة لكنها ليست علاجًا.

ماذا عن شابٍّ يتحدّث عن الموت قبل أن يُقدم على الانتحار؟ “كلّ مكتئب يعاني من أمراض نفسية يُفترض أن يُسأل سؤالًا مباشرًا: هل لديك أفكار انتحارية؟ هناك شباب وشابّات يعانون من نوبات هلع ويرددون: ليتنا نموت لنرتاح. يجب أن نأخذ هكذا كلام على محمل الجدّ دائمًا. هؤلاء قد يُقدمون على الانتحار ليرتاحوا من الهلوسات التي تُلاحقهم. يضيف جاموس: ثمّة سيدة شابة، كانت تملك كل مقوّمات السّّعادة لكنّها فقدت ثقتها بنفسها. أخبرت زوجها قبل أن تقدم على الانتحار أنّها ما عادت تملك القدرة على التحليل. أصبحت تتكلّم عن نفسها بطريقة دونية. كانت تعاني من الاكتئاب وذات يوم رمت نفسها من علوّ وماتت.

لماذا قد يشعر شاب أو سيدة أو رجل تتوفّر لهم مقومات السعادة بالاكتئاب والحاجة إلى الموت؟ “هناك أسباب داخليّة وأسباب خارجيّة، قد تتسبّب بها أفكار مغلوطة، أو وراثة، أو مشكلة عاطفية، أو وسواس. لا تستهينوا بهكذا أفكار. هناك مَن يقول لا أمراض نفسية في العائلة لكن إذا تمّ البحث في العمق قد يكون جدّ أو جدّ الجدّ عانى منها. لا أحد يملك مقومات “استجواب” إنسان يُعاني من مشاكل نفسية وأفكار انتحاريّة إلّا الطبيب النفسي. هناك مَن يطرح أسئلةً معلبةً الإجابة عنها تكون بنعم أو لا. أمّا المطلوب فهو أسئلة معمّقة”.

عمر المراهقة هو أخطر مرحلة يمرّ فيها الإنسان. المراهق يكون يبحث عن ذاته وشخصيّته وعن أجوبة لتساؤلات جمّة في رأسه، إذا لم يجد إجابات لها قد يضيع. هناك من يقول شعبيًّا عن مراهق خالوه قد جنّ: لكثرة ما درس فقد عقله. هؤلاء -بحسب الطبيب النفسي- لم يفقدوا قدراتهم العقلية بسبب الدرس، بل بسبب الفصام الذي يظهر عادةً في عمر المراهقة. الفصام يظهر في عمر 15 إلى 35. و”السْتْرِسْ” قد يُظهر المرض في لحظة ما. “الدوبامين” (هرمون التفاؤل) إذا ارتفع يؤدّي إلى ظهور الانفصام، مثل “السيروتونين” الذي إذا انخفض قد يؤدي إلى الاكتئاب.

أفكار الموت خطيرة. كلّ مَن يفكّر به -من دون أسباب جوهرية- يجب أن يُسأل ويُتابَع. ثمّة أمور يجب أن تؤخذ بجدّية تامّة. هناك مَن قد يسأل عن الحياة الآخرة ويلحّ فلا تستهزئوا به. هناك شباب قد يسألون عن الهدف من هذه الحياة أخبروهم -بحسب الأب بيتر حنا- عن الله الذي خلقنا على صورته. أخبروه وتابعوه. الحياة صعبة. وثقوا أنّ الله موجود والشيطان أيضًا. فلا تتركوه يهزمكم. حصّنوا بيوتكم. واسألوا أولادكم ماذا يقرأون وأي موسيقى يستمعون إليها وأي جماعة تلحّ أفكارها في أدمغتهم. الاقتراب من الربّ مساعد والطبيب النفسي حاجة.

ماذا بعد؟
مفهوم الموت لدى الكثيرين -من المراهقين ومن الناضجين- غير واضح. هناك قصص حبّ كثيرة تجمع بين حبّ الشباب والموت يستلهم منها البعض قصصهم الخاصّة. روميو وجولييت أحدها. وهناك حركات تدفع إلى التمرّد. لا تستهينوا بثقافة التمرّد عند المراهقين. وقد يكون الشباب بحاجةٍ إلى تعاطفٍ ينشدونه من محاولة الانتحار. هي محاولة قد يُكتب لها النّجاة. لكن مَن يحاول مرّة قد يُعيد الكرّة فانتبهوا.

هل تريد/ين الاشتراك في نشرتنا الاخبارية؟

Please wait...

شكرا على الاشتراك!

مواضيع مماثلة للكاتب:

انضم الى قناة “هنا لبنان” على يوتيوب الان، أضغط هنا

Contact Us