حين تنبض “جنينات بيروت”… كي لا “ينقطع النفس” وينحسر التفاؤل!

آلام الرأس لا تبارحنا. وأقصى أمنية لنا أن نعيش بسلامٍ وأمانٍ. وأكثر حلم يمرّ في باطن الدماغ حين نظنّ أنّنا نغطّ في نومٍ عميقٍ هو أنّ الحرب انتهت وعاد لبناننا أخضر لكن “كوابيس” الليل والنهار تعود لتمحو حتّى الأحلام البسيطة. كأنّنا في قمقم. إنّنا فيه. ننظر حولنا فلا نجد إلا اليباس والدّمار والدّم والدّموع. مقبوضٌ علينا. كأننا في الأسر على مساحة 10482 كيلومترًا مربعًا. مرّ الشتاء. انتهى الربيع. الصيف وصل. وكلّ ما نحتاج إليه لنصمد قرارات جريئة وفسحة خضراء. فليس ما قيل عبثًا: حين تضيق بك الدنيا، إذهب إلى الطبيعة. هناك قد نجد الحياة في أبسط صورها وأكثرها صدقًا. فهل ممنوع علينا أن نجد أقلّه تلك الفسحة الخضراء؟ في زحمة الأحداث المظلمة بحثنا عن بعض التفاؤل في واحات بيروت الخضراء. بحثنا عن حدائق بيروت وهذا ما وجدناه:
كتبت نوال نصر لـ”هنا لبنان”:
نحن البيارتة، أولاد العاصمة وقلبها الأشرفية، بأمسّ الحاجة إلى “خضار” ومعه بالطبع الأمان والسلام. فهل وجود حديقة قريبة يتطلب أيضًا مفاوضات وناس “مع” وناس “ضدّ” وولاءات خارجية وتدخّل إيران البشع على خطّ حياتنا؟ فلننسَ سواد اللحظة ولنبحث عن فسحة وشجرة وبعض الورود وهواء نتمناه نظيفًا.
نمشي في بيروت وضواحيها. نمشي بين الإسمنت المتلاصق فنجد في قلب الأشرفية حديقة مار نقولا. جدّي، أبو نقولا، كان يمضي صباحاته هناك. الكلّ كان يعرفه. كان يتسلّل إلى هناك هربًا من كل الهموم والنكبات التي كانت تحوم فوق رأسه وورثناها. الحديقة اليوم نظيفة لكنّها فارغة من مشاعر الرضى وأولاد المحيط. نسأل الأولاد في الجوار، على الرصيف عنها فيستغربون وكأنّنا نسألهم عن المريخ. الحدائق في المدينة تكاد تكون منسيةً من أولاد المدينة.
نمرّ على حديقة اليسوعية. ثمّة شابّة تجلس على مقعدها وتقرأ. مشهدٌ جميل في الشكل. نقترب منها ونسألها عن حالها فنلمح في عينيها حزنًا. تقول: “باتت هذه الحديقة ملاذي منذ أصبحت بلا عمل ولا ضمان ولا أفق ولا مستقبل”. الكتاب أنيس. إنّه يجعلها تعيش ألف حياة في زمن القحط. والكتاب مع الحديقة يجعلها تشعر بأنّها تملك كلّ شيء. إلى تلك الصبية وصبيان وصبايا الحيّ يفترض أن تعيش حديقة اليسوعية التي أعيد تأهيلها من قبل سكان الحيّ ووزارة الأشغال. ثمة شتول مزروعة. ممرّات المشاة أعيد تأهيلها. نظام طاقة شمسية وضع. وملعب للأطفال ونافورة… وثمّة معالم تاريخية في الجوار تتضمن بقايا بازيليك وكنيسة بيزنطية. كم هو جميل أن نجد في منطقة مكتظّة، في منطقة الرميل، واحةً نُنفّس فيها كلّ الغضب الذي في أعماقنا.
نتّجه نحو منطقة السيوفي. هناك الكثير من القصص التي حاكت حياة كبارنا وسطّرت أيامهم وراكمت ذكرياتهم. هناك ولدت قصص عشق تستحق أن تُروى. المغرومون كانوا يتواعدون هناك. ندخل إليها اليوم فنجدها تحاول أن تعود إلى الحياة. البارحة كانت مزدحمةً بمعرض العسل الطبيعي. وكل حدث يشدها مجدّدًا إلى فوق فوق… إلى الهدف الذي أنشئت من أجله. عند بوّابتها الخارجية نقرأ تعليمات بلدية بيروت – دائرة الحدائق: ممنوع وقوف السيارات أمام المدخل. ممنوع دخول الدرّاجات. ممنوع اللعب بالكرة حفاظًا على المغروسات، ممنوع صيد العصافير، ممنوع إدخال الحيوانات وإشعال النار، ممنوع وممنوع وممنوع. والممنوعات في بلدٍ كل شيء فيه مُباح تجعل البعض ينفرون. النظام يكرهه من اعتاد على “الفلتان”. وكم نحن بحاجة ماسّة مع “الأخضر الطبيعي” إلى أنظمة وقوانين. جنينة السيوفي تستحقّ، أيها البيارتة، زيارتكم.
ننتقل إلى حديقة الصنائع – “حديقة الشهيد رينيه معوض”، مساحتها 22 ألف متر مربع، وتضمّ ملعبًا للأطفال وآخر لهواة الركض وركوب الدراجات الهوائية ومسرح ومساحات خاصة لإقامة معارض… لكن، بربّكم، أنتم مَن تعبرون الشارع الموازي لشارع الحمراء الرئيسي يوميًّا هل فكرتم يومًا بالذهاب مع أطفالكم إلى هناك؟ “ما تجاوبوا”. الجواب شبه محسوم لدى 99,999 في المئة منكم: لا. فالثابت أنّ بيننا وبين حدائقنا جفاء. ومَن يدخلون غالبيتهم يحملون جنسيات الأرض المختلفة لا لبنانيين. للأسف. فلماذا كل هذا الجفاء؟
ببساطة، نحن ما عدنا نصدّق أن المؤسّسات العامة والإدارات والبلديات تعمل “من أجلنا”. لم نعد نثق بأننا قادرين -لكثرة ما حملنا من ويلات- أن نستمتع “مجّانًا”. وهذا بيت القصيد. فماذا في تفاصيل حدائق بيروت؟ نسأل رئيس جمعية “نحن” محمد أيوب الذي يدافع من زمان عن المساحات الخضراء فيُجيب: “لدينا 24 حديقة في بيروت. والسؤال، هل تكفي بيروت؟ جوابنا: لا. لأنّ منظمة الصحة العالمية تقول يحتاج كل فرد في العاصمة إلى 12 مترًا مربعًا من الساحات الخضراء لكن بالكاد له 0,8 متر. في بيروت قديمًا، كان قانون البناء يمنع تشييد عمارة بلا حديقة لأنّ الطفل بحاجة إلى أن يلعب. تغيّر كل شيء. وأصبحنا نفتقد وجود هكذا مساحات خضراء مشتركة حول المباني ولم يعد التعاطي مع الأرض كقيمة بل كسلعة تُباع وتُشترى”.
نسمعه ونؤيّده لكنّنا نتذكر “أوضاعنا الصعبة” فنشعر وكأننا نغرّد عكس السير. أصبحنا مثل الآلة والمساحات الخضراء لم تعد من الأولويات. نسأل أيوب عن حرش بيروت الذي يشهد اعتداءات من كل الجهات فيقول “بُنيت على مساحة واسعة من الحرش (الذي كانت مساحته مليون و900 ألف متر مربع) مبانٍ حكوميةً والمستشفى المصري الميداني وجامع الخاشقجي والمجلس الشيعي الأعلى ومقابر للطائفة السنّية ومقابر للطائفة الشيعية ومهنية ومدرسة ومركزَيْن للشرطة ومبنى الأمن العام الجديد. تقاسمته الطوائف. أمّا المسيحيون فأنشأوا عليه سبق الخيل وجمعية النسل العربي. ولم يتبقَّ من مساحته الأولى إلا 350 ألف متر مربع.
نقصد الحرش. خيم النازحين مترامية حوله. ودخول مَن يحمل خيمة ونرجيلة ومنقل شواء ممنوع. محافظ بيروت مروان عبّود أمر ذلك بقرار. ندخل إلى الحرش فنشمّ رائحة الصنوبر. الأشجار تتعملق. والاغصان تترامى والطيور حرّة حرّة. السكينة في الداخل تنجينا من ضجيج الخارج. ألعاب ومقاعد ومجسّمات ورياضة. والأمل أن يحافظوا على ما تبقّى منه ونجاته من سيناريوهات توضع له.
نتابع جولتنا. بلدية بيروت منهمكة بأمور كثيرة. والمحافظ ليس لديه وقت حتّى “ليحك جلدة رأسه”. ماذا عن دائرة الحدائق في البلدية؟ الوضع -ببساطة- ليس على ما يرام. كلام عن إخبار حول هدر وفساد وسلف متكرّرة في دائرة الحدائق في بلدية بيروت بغياب أي رقابة أو تدقيق. ندخل في الزواريب؟ مقدّمو الإخبار والمطّلعون فضّلوا التريّث عن الكلام المباح. محافظ بيروت مثلهم أيضًا. لكن، السؤال: ماذا تفعل دائرة الحدائق طالما كلّ التحسينات التي تجري تقوم بها جمعيات خاصة؟ الواضح أن بيروت تحب الحياة -ومحافظها يدرك ذلك- لكن يد الدوائر فيها قصيرة والمطلوب كثير. هناك مشاكل طائفية؟ نعم. هناك قلّة موظفين؟ نعم. عدد العمال في دائرة الحدائق في بلدية بيروت قليل. الكفاءة أيضًا قليلة. هناك 82 مقرًّا ومركزًا تحرسها البلدية بشكل مستمر في بيروت، بينها الحدائق العامة وحرش بيروت ومعمل الفرز في الكرنتينا والمقار البلدية والقصر البلدي. الحاجة كبيرة أمّا الكلام عن هدر وفساد فكلّ من يعرف البلدية ومن فيها يجيب عند السؤال: فلنترك القضاء -إذا وجد ذلك- يفصل.
لن ندخل -أقله الآن- في الإخبار. فلندع أنفسنا نطمح -لمرة وحيدة ربّما- إلى التفكير فقط بفسحة خضراء وأمل بعيدًا عن كل التشنّجات. ثمّة حديقة في بيروت، عند البيال، وضع حجرها الأساسي قبل أشهر قليلة وهي ملحوظة منذ أعمال الردم في سوليدير العام 1995 وستحمل اسم الرئيس الشهيد رفيق الحريري. الأمور عندنا تأخذ وقتها. كنّا اطفالًا وكبرنا وأطفالنا كبروا ولم يدخلوا إلى حديقة عامة. فلندع مَن يبحثون اليوم عن خضار إلى تجربة الدخول إلى واحدة من “جنينات” بيروت. ومَن يجرّب مرة سيعود.
قبل أن ننهي، تذكّرنا ما تعلمناه في الصغر أنّ النباتات مصدر متجدّد للطاقة بفضل امتصاصها ثاني أوكسيد الكربون وضخ الأوكسيجين وامتلاكها القدرة على تغيير المناخ. لكن، شتّان ما بين الدروس والحقيقة. يكفي أن نعرف أنّ حصة الفرد من المساحات الحرّة في المدينة يقلّ عن 0,8 متر مربع في حين تتراوح في المدن العصرية ما بين 10 و15 مترًا مربعًا. وكي لا نذهب بعيدًا، فلنُجر مقارنةً بسيطةً بيننا وبين مدينتين تُحيطان بنا: دمشق وتل أبيب. لا تتجاوز المساحة الخضراء في بيروت الإدارية 2,6 في المئة، أما في العاصمة السورية فتُشير البيانات إلى أن المساحات الخضراء تشكل 2,18 فقط من المساحة الإجمالية للمدينة، في حين أنّها تغطي ما يقارب 23 في المئة من مساحة تل أبيب. فكم يحتاج لبنان إلى “شغل” وكم يحتاج اللبناني إلى دولة.
بيروت لنا. ولبنان لنا. والأخضر -دائمًا- الأجمل. كونوا طبيعيين واسرحوا في الطبيعة.




