قلقون وتشعرون بالظلم واللّاعدالة وخائفون؟… رسالة الربّ في قدّيسيه: لا تخافوا أنا معكم

أن تكون لبنانيًّا فهذا معناه أنّك من بلاد “شربل” و”رفقا” و”الحرديني” و”نعمة الله” والحبلُ جرّار… لبنانيون؟ فلنبتسم. فلنفرح. فلنتجاوز خيباتنا. فلنسامح مَن “ضربونا” على الخد الأيسر مرارًا وتكرارًا. فلنصفح. ولنبقَ ونستمرّ علامة صمود ومقاومة. أن نكون لبنانيّين فلنثق بحضورِ عجائب السماء وقوة الله فينا. فهل يُعقل أن نكون لبنانيّين – مسيحيّين – ونستسلم؟ ماذا يفعل بنا حضور كلّ هؤلاء القديسين في حياتنا؟ وماذا يعني أن يولد لنا – من بيننا – قديسون في كلّ مرّة تشتدّ علينا المحن؟
قبل أسابيع قليلة من إعلان البطريرك الماروني المكرم الياس بطرس الحويك طوباويًّا، نثق بأنّنا في قلب الله. نحن أقوياء جدًّا. إنّنا أولاد هذه الأرض. نحن – يا عالم – لبنانيّون. ولبناننا مبني على صخرة بطرس. ويعوم على بحرٍ من القدّيسين. “وشو همّ لبنان – معهم – من هدير البحر”.
كتبت نوال نصر لـ”هنا لبنان”:
فلنراقب تاريخنا. في كلّ مرة كبر فينا القلق وُلد لنا قدّيس. يُهاجر الشباب بحثًا عن عملٍ وأفق وحين يعودون يزورون “شربل” ويحملون تخيرة وبخورًا وشموعًا من مزاره إلى أقطاب العالم. ثمّة علاقة وثيقة جدًّا مع قدّيسي لبنان تمدّدت على مساحات واسعة من هذه الأرض. لذا فلنردّد “نيّالنا”.
في علم النفس، تفسير. الاختصاصية النفسية ربى بشارة راقبت طويلًا مسار لبنان واللبنانيين مع قدّيسيهم وتقول بلغة العلم: “هناك ما يسمّى في علم النفس “الآلية الدفاعية”، وبرهنت المشاهدات العيادية أنّ حتّى أكثر الأشخاص نرجسيّةً، حين تضيق بهم الدنيا، يتّجهون نحو الصلاة. وجود القديسين في حياتنا يساعدنا على “تقطيع المراحل الصعبة”. إنه يُريحنا. الأحداث الأليمة التي تكاد لا تنتهي، التي تلاحقنا من كل حدب وصوب، تجعلنا في اللّاوعي نتمسّك أكثر بالصلاة وبالله. حين تُقفل الدنيا في عيوننا نستخدم تلك “الآلية الدفاعية” فنشعر بأنّنا أقوياء. كلّ هؤلاء القدّيسين يمنحوننا القوة. إنّهم العلاج والصبر والقوّة في المحن”.
“خليها ع الله”. عبارة نردّدها حين تتأزم الأمور. ولا نتفوّه بها عن عبث. فنحن – يا عالم – لبنانيّون.
الرّاهب الماروني الأب بول قزي – طالب دعوى تطويب القديسين في روما – حمل ملفّات قدّيسين من لبنان معلنًا في كلّ مرة بعد مسار طويل طويل: وقد ولد لنا قديسٌ. ارجعوا إلى الوراء. إلى مراحل عمّ فيها الفرح الهائل ولمعت فيها العيون ودقّت القلوب فتعرفون معنى تلك اللحظات التي وُلد فيها قديسٌ آخر في لبنان. فماذا يمكن أن يُخبرنا الأب قزي عن المقاومة المسيحيّة في لبنان من خلال قدّيسيها؟ يجيب: “مع ولادةِ كل قدّيس في لبنان دلالات. رفقا، بنت حملايا، رقدت في العام 1914، في زمن المجاعة التي ضربت منطقتنا والحرب العالمية الأولى. أمّا شربل فعاش القهر العثماني في العامين 1840 و1860 ويمثّل جيلًا من المقهورين في زمن الانتداب الذين عانوا من العذاب والاعتداء على الإنسان والحيوان والأرض والملكيّة والشجرة والتراب. وأصبح قديسًا صيته في كلّ العالم. تقديسه في العام 1998 دلّ على أنّ زمن القهر ليس معناه النهاية الحتميّة. لم ينتهِ كل شيء على الصليب يوم الجمعة العظيمة، بل أتت القيامة بعد ثلاثة أيام. نحتاج في أي مفصل إلى الرّجاء. فلنبقَ مثل طائر الفينيق الذي ينتفض دائمًا ويقف. فلنحافظ باستمرار على روح المقاومة المسيحيّة. ولنثق أن يدّ الله دائمًا موجودة وأنّ كل شيء في التاريخ يُكتب بأصبع الله”.
تعبون؟ منهكون؟ قلقون؟ لا تفقدوا الأمل فالله يرانا ولن يتركنا. يقول الأب قزي: “ربّنا يعيّن القدّيسين ويقدّسهم. القديس يولد من إرادة ربنا. ونتعلم في كلّ مرة من “عمل الرب” وتوقيته أن لا قيامة إلا بعد صلب وآلام. ونحن مَن نعيش أسبوع آلام متواصل في لبنان نحتاج إلى قدّيسين كعلامة من ربنا الذي بعده لا أنبياء، بل قدّيسين. وكلّما زادت آلامنا زاد عدد القدّيسين. ربّنا يستجيب لصلواتنا ورجائنا ويرسل لنا علامة: أنا معكم. القديسون علامات في حياتنا”.
لكل قدّيس وقدّيسة من لبنان – وفيه – دلالة ومثال على تضحية ورجاء. فلا شيء يأتي عن عبث. وكأنّ ربنا يقول لنا: “أنتم تقدّمون تضحيات، وهؤلاء القدّيسون سبقوكم إلى ذلك، وأنا حاضر دائمًا”.
فلنعد إلى الاختصاصية في علم النفس ربى بشارة. ماذا عن المشاعر التي ترافقنا علميًّا مع الإعلان عن ولادة قدّيس؟ تجيب: “دماغ الإنسان وجسمه بحاجة ماسّة إلى “Connection” يبحثان عنه في الأشياء الملموسة، ليشعرا بوجود ملجأ في مواجهة الظّلم وآلة السلاح، يؤمّن لهما الحماية. وهذا ما نراه في حياتنا اليوميّة بتكرار عبارة: خلّيها ع الله. الشعب يشعر بأنّه تجرّد من كل سلاحه الأرضي والله – من خلال القدّيسين – السلاح الوحيد الباقي. شعب لبنان يشعر وكأنّ السلام في لبنان حلم مستحيل في ظلِّ كل هذا الاهتراء والتشتّت والتمزّق. شعب لبنان يكرّر عبارة: نحن بحاجة إلى عجيبة. وظهور قدّيسين فيه يعزّزون لديه الرجاء بأن العجيبة ممكنة”.
العجائب ممكنة. ونحن بحاجة ماسّة إلى عجيبة لنخرج من الحروب المتتالية التي أنهكتنا. لكن، إزاء هذه الحقيقة نطرح سؤالًا: هل تتدخل الكنيسة من خلال إعلان القدّيسين لتعزيز الرجاء لدى المؤمنين؟
في تموز المقبل، في الخامس والعشرين منه بالتحديد، سيُعلن تطويب الياس الحويك. سيحضر الناس ويصلّون ويتضرّعون. قبله، أُعلن في 2024 البطريرك أسطفان الدويهي طوباويًّا. وفي 2026، أُعلن المكرم الأب بشارة أبو مراد المخلّصي طوباويًّا. في كلّ حدث أليم يشدّنا إلى تحت يولد لنا مكرّمًا أو طوباويًّا أو قديسًا. وهؤلاء جميعًا – بحسب الأب بول قزي – “يرسلهم الربّ ليقول لنا أنا معكم وأنا حاضر بينكم ومعكم. أنتم الشعب المؤمن بأرضه ووطنه وبالله وبفعل التجسد. والفضل في ذلك للبنانيين الصامدين والمنتشرين في العالم، حاملين قدّيسيهم معهم. والتطويب والتكريم والتقديس يتدخّل فيه الربّ. هو من يُسرّع في تقديسهم. ثمّة يدّ إلهية في ذلك. هناك رسالة في كل حدث وتقديس، مثلما كانت آلام المسيح رسالة لنا فحواها: عيشوا إيمانكم وابقوا شهودًا ولا تخافوا. كلمة لا تخف وردت 365 مرة في الكتاب المقدّس: لا تخافوا أنا معكم”.
نبقى مع الأب قزي. يقول: “القديس وسيط بيننا وبين ربنا وهو من عمل الروح القدس. ربنا صانع العجائب وشفاعة القدّيسين. وحين نطلب من شربل ورفقا والحرديني وإسطفان فهم يرافقوننا في الصلوات ويرفعونها لدى الربّ. القدّيسون فرح للناس، والتطويب أكثر تأثيرًا من كل الرسائل التي يقدمها الكاهن “قدّها كلها”. ربّنا يتكلّم من خلال الطوباوي والقديس. وفي كل مرة يُرفّع فيها أحد إلى مرتبة طوباوي أو قدّيس يرفع معه شعب بكامله. من خلال باب التطويب يفتح لنا باب الأبدية. ونتأكّد أنّ حياتنا لا تنتهي على هذه الأرض، بل تبدأ لحظة انتقالنا إلى السماء. والله أشرك الإنسان في ألوهيته. قلقون؟ ردّدوا: المسيح سلامنا، العذراء معنا. كونوا أنتم أيضًا قديسين كما أبوكم في السماء”.
كم جميلٌ ونحن نستعدّ لإعلان طوباوي – وأكثر – من لبناننا أن نشعر بحجم الحدث الذي يمنحنا إيّاه الربّ من خلال ذلك. لا تخافوا يا شعب لبنان من شيء، من أحد، فالربّ – دائمًا – معنا.




